جنية منتصف الليل

جنية منتصف الليل

في الليل تعصفُ رياح الظلمة
وتثور الوحوش طمعًا في فريسة
فـَ لليل وحشة كوحشة القبور أو أشد قساوة
كُنت أسير في منتصف الليل عائدًا إلى منزلي بعد تأخري في العمل بسبب الساعات الإضافية التي أجبرتني قسرًا على البقاء لذاك الوقت المتأخر، وأوصلتني سيارة العمل وألقت بيّ على حافة الدرب المؤدي لبيتي دون أن تُلقي ليّ بالًا، واضطرَّت إكمال الطريق سيرًا علىٰ الأقدام لإني لم أجد أي وصيلة تقلني، كان الشارعُ خاليًا وكان عليَّ أن أمُر بجانب القبور في طريقي، ودب الرعب قلبي وأنا أعجل في سيري وقد خُيل ليّ إن جُل الموتى سيخرجون ليّ من تحت الثرى، فبت أسير شبه راكضًا، وعلى مرمى البصر لاحت ليّ أتان فأسرعت الخطى إليها، وقد حسبتُها إنها ضلت الطريق من صاحبها فبقت تائهةٌ، وفجأة..
وجدتها أمامي..
فلا أدري كيف تقلصت المسافة بيننا..
أكنت أنا سريعًا لتلك الدرجة! أم هي؟
ولم أفكر طويلًا وأنا أمتطيها وقد تنفست الصعداء سرورًا لإنني وجدت شيء يقلني دون أن أُتعب قدماي المتعبتين، ودون أن أوجها للطريق سارت هي به، فقلت متعجبًا وقد أقلقني أمرها:
_من أين لتلك الأتانٌ أن تعرف طريق المنزل؟!
وصرخت صرخة دكت حصون ثباتي عندما اجابتني..
نعم، الإتان أجابتني، قائلة بصوت انثوى رقيق:
_لأني أعلم كل شيء.
وبقيتُ صامتًا من الصدمة التي عصفت بيّ، وإن راحت ركبتاي تهتزان، وجسدي يرتعش، وتهدج صوتي وأنا أهمس بصوت شاحب:
_يا إلهي هل أنا في وعيي أم اتوهم هل أجابتني تلك الإتان!
فردت بصوت ناعم رخيم:
‘نعم لقد أجبتك.
فأجهشت في البكاء من شدة الخوف، وأنا أهتف في جنون:
_ رباه، من أنتِ؟ كيف تتكلمين!
فانبعث صوتها في هدوء بارد:
_أتكلم كما تتكلم، أنا مثلك!
وسكتت لهنيهة، ثم أضافت:
_مع بعد التغيير طبعًا، فأنا أخرج في الليل بحثًا عن ضحية، وقد وقع عليكَ الحظ.
الآن لقد صدقت حكاوي جدتي عن الجن وأفعالهم، فنزعت نصلٌ من جيبي وطعنتها في بطنها، كنت أدرك إنه هكذا يحيل بينها وبين أن تعود لهيئتها الطبيعية لو لم يُنزع النصل الحاد، وهتفت فيها بصوت جاهدت لأسبغ عليه كل صرامته:
_أوصليني لمنزلي سالمًا ولا تتعرضي ليّ بسوء وسأنزع السكين…
فقاطعتني هاتفةٌ في غضبٍ:
_أنزعه …انزعه فورًا قبل أن ينالك غضبي.
فأجبتها بنبرات قوية:
_لن يمكنك فعل شيء ما دام السكين مغروسًا بكِ فلا تحاولي إخافتي دون جدوى.
فردت عليّ بانفعال:
_حسنٌ.. حسنٌ سأوصلك أين ما تشاء على أن تنزع هذا الشيء عني.
فرددتُ بهدوء:
_أعدك بأن أنزعه.
مرّ الوقت وهي تسير بيّ إلى بيتي في سكون مهيب، ورغم صلابة ملامحي المدعية، كان قلبي واجفًا، وروحي ترتعد حتى إذا لاح البيت ابتهجت نفسي، وتوهج وجهي فرحًا.
وهللت قائلًا:
_يا الله هل وصلتُ سالمًا.
فردت عليّ متبسَّمة تبسُّم الأسد الذي فرَّت منه فريسته:
_لقد أوصلتك بخير وقد نجيت نفسك مني، وها أنا ذا اوفي بوعدي، فهل ستفي بوعدك؟
فربت على عنقها في راحة، وقد زال جل خوفي:
_وأنا عند وعدي أيتها الجنية …
وأردفت في فضول:
_بالمناسبة ما اسمك؟
فهزت رأسها يمنى ويسر، وقالت بصوت قوي النبرات:
_مرجانة.
فتبسَّمت من أيقاع الإسم الغريب على مسامعي، وكنا قد أشرفنا على المنزل، فتوقفت.. وترجلت من فوقها، ودورت حتى وقفت قبالتها وأنا أشكرها:
_أشكرك يا مرجانة على حملي إلى البيت رغم إن نيتك كانت قتلي.
فجاوبتني وهي تتفحصني من قمة رأسي إلى أخمص قدمي:
_لقد زالت هذه الرغبة يا بَائِن الطول.
قهقهتُ من تلقيبها ليّ بـ بائن الطول، وقد كنتُ حقًا مَدِيد القامة، نحيل البدن، فما إن انتهيتُ من الضحك، حدجتني بنظرة غريبة وهتفت:
_والآن ألا نزعت هذا الشيء عني!
فقلت وبسمة ماكرة تزين ثغري:
_ليس قبل أن تخبريني ما أنتِ فاعلة؟ ما الدافع تجاه قتلك للمرءِ هكذا؟
فأطرقت قليلًا، ثم انبعث صوتها، مفعمًا بذكرى دفينة حزينة:
_سأخبرك بذلك.
فاستطردتُ فرحًا، وهمهمت:
_كلي أذانٌ مصغية.
فتطلعت فيّ لهنيهة من الزمن، ثم اردفت تقول:
_ذات يومٍ وعند المقابر رأيتُ أخًا يقتلُ أخته فجزعت لمقتلها وقد عجبني حسنها، كانت مليحة الوجه، عظيمةُ القد، أتعرف لما قتلها؟!
تساءلت فأنتزعني سؤالها من شرودي وقد كنت مأخوذًا بوصفها للفتاة، وأجبتها في فضول ملأ نفسي:
_لِمَ.
فتابعت تقول والأسىٰ يغمر كلماتها:
_لأجل المال .. للورث للدنيا الفانية، قتلها دون أن يرف له جفن لأجل هذا! هل تصدق؟
تنهدتُ وأنا اجيبها بثقل جثم على صدري:
_أصدق فقد أضحينا في زمان المال فيه هو كل شيء…
واتبعت أقول متعجبًا:
_ولكن ما لكِ وهذه الفتاة؟!
فتبسمت في استهزاء، وردت:
_لإني أنا هذه الفتاة.
فضحكت بقوة على ما قالت من جنون، وهززت رأسي وأنا أقول من بين ضحكاتي:
_يا لكِ من ماكرة يا مرجانة! الأرواح تذهب إلى الله سبحانه وتعالى، أنتِ كاذبة!
فنظرت ليّ نظرة مخيفة آثارت الجزع في نفسي، فتحمحمت وأنا ابتسم في توتر، مغمغمًا:
_لقد أسعدني حقًا الحديث معك يا مرجانة فأنتِ لطيفة جدًا .. لكن لا تأذينا ولا تكذبي فألأخرق من يصدق إنك روح أيتها الجنية.
ومددت كفي لأنزع عنها السكين ، وفي ثوانٍ كانت تختفي، فتقهقرت للخلف وقد جَزِعْت وتوجست، وتلفت حولي في قلق، وبغتة جاءني صوتها وهي تقول:
_لقد كذبت عليكَ يا إبراهيم، لم أكن سأقتلك صراحةً فقد وددتُ إرهابك فقط..
فأستدرت جهة الصوت وشهقت منبهرًا فقد كانت تطير عن الأرض بخصلات شعرٍ حمراء جذابة، وبوجهٍ أبيضٌ مستدير متشبع بإحمرار ذادها جمالًا، وعينيها مدهمتان، وشفتين جميلتين رائعتين، وتبسمت بسمة أفقدتني صوابي وهي تقول ضاحكة:
_سأعود لأزورك من حين لآخر يا صديقي، لقد سعدت برفقتك هذه الدقائق القليلة.
واختفت مرجانة عندئذٍ تاركةً إياي أنظر في أثرها بعينين جامدتين محدقتين في الفراغ، ما حدث الآن شيء لا يتصوره عقل .
ولا يتخيله ولا يصدقه..
سحبتُ نفسًا عميقًا وأنا أُيمم وجهي إلى المنزل، وارتقيت درجاته بخطواتٍ متلكأة، وصورة مرجانة الساحرة لا تغيب عن نظري، آهٍ لو تكون زوجتي..
أو أُرزق بزوجة مثلها، دلفت إلى غرفتي بذهنٍ شارد منشغلٌ بالتفكير، ولكن .. تسمرت مكاني عندما تناهى ليّ خشخشت قدمين، فجال بصري في أنحاء الغرفة، وارتعدت فرائصي وصوتُ الحفيف يذداد، فتيقظت جوارحي جميعها في تحفز، لم أعثر على شيء، فجلست متوجسًا على طرف الفراش وملت أنزع حِذائي، وما هممت بإلقاءه بعيدًا، سمعت صوتًا ساحرًا خلب لُبي، يناديني في نعومة مشوبة بالرقة:
_إبرهيم، تعال يا صديقي.
وكالمأخوذ تحركت جهة الصوت الصادر من شرفة الغرفة، وألتمعت عيناي في انبهار وأنا أرَ مرجانة تجلس على حافة الشرفة تضع ساقًا فوق الأخرى، وتهمس ليّ وهي تؤشر ليّ بسبابتها:
_تعال إليّ تعال هيا..
فدنوتُ منها كالمسحور لا أشعر بما أفعل، وبداخلي خافقٌ ينبض بجنون، وبمشاعر شتى لا أعرف كنهه، وانفرجت شفتاي وهي تقترب بوجهها من وجهي بكلماتٍ قد انحبست جميعها في جعبتي، وألتهمت عيناي ملامحها الفاتنة بنظرات جائعة، فقهقهت برقة تذيب القلب وهي تلُف ذراعيها حول عنقي، وتهمس بجانب أذني بنبرة تقطر رقة:
_لم أستطع فراقك فعودتُ إليك.
وابتعدت تنظر إلى عيني في تمعُن، وقد تلألأت مقلتين عينيها في عاطفة، وطفقت ترمش بأهدابها الطويلة، وهي تهمس بذات الصوت الآسر:
_ أمَّا إنك لا تُريدني؟! ها.. ما الذي يخطر في ذهنك؟
فأسرعت أقولُ في لهفة وعيناي لا تبرحان عينيها المدهمتان:
_هيهات من هذا الذي لا يريدك؟! مرحبًا بكِ في أي وقت في قلبي فبل غرفتي.
فأطلقت ضحكة رائعة مال لها وجهي تأملًا، ثم دفعتني للخلف في رقة حنون، وقفزت على قدميها وهي تدمدم:
_هيا اذهب بدل ملابسك لتنام، أنا سأمكث معك الليلة.
فغادرتُها على مضض، وقلبي يبكي ندمًا وإيلامًا على فراق تلك البهية للحظات، ولكنني تركتها وروحي معها.
أصعب اللحظات تلك التي تغادر فيها روحك مأسورة لدى أحدهم قبل أن تغادرك.
وفي تردد أمسكت قبضتي بأكورة الباب وأنا مستدير الرأس إليها، مشدوهًا، حتى أشارت ليّ بالذهاب فدفعت الباب وكدتُ أدخل لولا إن إنطفأ الضوء فجأة، إلا من بصيص نورٍ متسللًا من نور القمر المتلألأ على صفحة السماء، فزفرت بضيق وأغلقت باب دورة المياه ورائي وفجأة تقهقرت ساقطًا على الأرض وقد سقط قلبي بين قدمي، وانطلقت من جوفي صرخة رعب مزقت أوتاري، عندما طالعني وجهٍ أسود بشع مصطبغ بالدماء، بعينين واسعتين مترعتين بنهرين من الدم القانٍ وجسدٌ أسود تحيطه نيرانٌ بدت ليّ من شدة توقدها كأن لونها أسود، وارتعد كامل جسدي، وبكيت كطفلٍ صغير، عندما صدح صوت زلزل كياني:
_ماذا ظننت! إني سأتركك؟ أنا لم ينجو احد مني يا هذا لتنجو أنت، خطؤك الوحيد إنك نزعت السكين عني، فخذ جزاتك.
قالتها، وهي تطير نحوي، وأنا أنظر متسع العينين في هلع، وبفمٍ فاغر بلغ اتساعه الذروة، وانتفض قلبي، وأنا أبسمل فأختفت و وقفتُ مترنحًا كالسكرى وفتحت الباب بأطراف متخدرة من الصدمة، وخرجت أتعثر في كل شيء وأقع وأنا التفت خلفي بكل رعب الدنيا، وهوت دموع مآقي عيني من شدة الخوف كطفل صغير،وقبل أن أنهض مرة أخرى من تعثري الأخير وجدت يدًا سوداء سوادًا رهيبًا يجذبني من عنقي إليه، وتصلب جسدي، وتوقف قلبي عن النبض، وسكنت روحي سكونٌ مهيب، وتجمدت دموع وملامح وجهي على وجهها الرهيب، وسال الدمع انهارًا وأرتفع نحيبي بغتة وراقبتها وهي ترفع مخلبها المغطس بالدماء إلى عنقي، وتبتسم ليّ تبسَّم الظافر بفمها البشع وكان آخر شيء رأيته وهي تقرب مخلبها من عنقي.. وبضحكتها العالية المخيفة تزلزل جدران قلبي الذي إن لم يكن توقف بالموت لكن توقف من الخوف.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *