بعد فرحي بأسبوع حكايات روماني مكرم 4

تنحت وبقيت ببص لوكيل النيابة وبؤي مفتوح من الصدمة، والجو في المكتب فجأة اتقلب لـ زنزانة تانية أضيق وأرعب. جسمي كله بدأ يتنفض، وسألت بصوت مرعوب ومش طالع: «مدحت مات؟! مات إزاي يا فندم؟ ده كان واقف معايا من يومين بيفكوا له الكلبشات في مكتب وسط البلد!»
رئيس النيابة هز راسه ورمى التقرير قدامي على المكتب وقال بجدية: «التقرير الجنائي واصل لنا من إسعاف الطريق الصحراوي.. عربية نقل فرتكت عربيته الملاكي وهو راجع بالليل متأخر، ومات في ساعتها، والنيابة قفلت التحقيق معاه لوفاته. يعني مفيش حد تشيل معاه القضية يا عبده، إنت المتهم الوحيد قدامي بالصوت والصورة والفلوس اللي اتمسكت في إيدك».
حسيت إن الدنيا بتلف بيا أسرع من الأول، والوجع ضرب في نفوخي. مدحت مات؟ ولا في حد “موّته”؟
نفس الطريق الصحراوي.. نفس الحادثة.. نفس الموتة المفاجئة اللي حصدت حمايا من شهر!
افتكرت كلمة حماتي في التليفون: «إنت نسيت إن حماك الله يرحمه كان رتبة تقيلة في الجيش.. ومعارفنا يهدوا جبال».
الست دي مش بس قانونية وعسكرية بالتخطيط، دي أفعى حقيقية مبترحمش. مدحت بعد ما خانني وسلمني ليها وقبض التمن، مالحقش يفرح بالقرشين، الحاجة فوزية شكلها قررت تنظف الساحة وراها تماماً، ومسحت مدحت من الوجود عشان السر يموت معاه، وعشان ألبس أنا القضية لوحدي من غير ما يكون معايا ولا شاهد واحد يثبت إني كنت مجرد ضحية أو مغفل ملعوب بيه!
رئيس النيابة خبط بالقم على المكتب وقال: «إمضاء يا عبده.. تجديد الحبس ١٥ يوم على ذمة التحقيق».
خرجت من مكتب النيابة وأنا بجر رجلي، والكلابشات المرة دي حاسس إنها مش في إيدي، دي كانت ملتفة حوالين رقبتي بتخنقني. رجعت الحجز، ورميت نفسي في الأرض وسط السجاير والدخان، وبقيت ببص للسقف وأنا بضحك ضحك هستيري.. ضحك واحد خلاص عقله طار. خسرت كل حاجة في أقل من شهر: الشقة، المرات، الفلوس، الحرية، وصاحبي اللي وزني طار في الهوا وبقى جثة تحت التراب.
عدت الأيام بطيئة وقاتلة، وكل تجديد حبس كان بيموت حتة جوايا، لحد ما عدا تلات شهور كاملة في الحبس الاحتياطي، وقضيتي اتحولت لمحكمة الجنايات.
في يوم الجلسة، وقفت ورا القفص الحديدي، لابس الأبيض، وجسمي خس النص، ودقني طالت وعيني غارت لجوة. كنت ببص على قاعة المحكمة بلهفة، بدور على أي وش مألوف. وفجأة شفتهم..

