بين الحياة والموت زهرة 1

تركني ماجد وخرج، ليعود الصمت الموحش للشقة من جديد. لكن كلماته تركت في عقلي شرارة لم تنطفئ. مرت ليلة أخرى، وأنا جالس في الظلام، أفكر في كلامه. هل يمكن أن تشمت فيّ؟ من حظها أن تفعل، فلقد دمرت كبرياءها كأنثى ونبذتها لمرض لم تكن تملك دفعاً له.

في الصباح التالي، اتخذت قراراً لم أكن أتخيل يوماً أنني سأجرؤ على اتخاذه. ارتديت ملابسي، ووضعت قبعة على رأسي خفضتها لتداري وجهي، وارتديت نظارة شمسية سوداء، وخرجت متجهاً إلى بيت أهل هيام.

كنت أمشي في الشارع وأنا حاسس إن كل العيون موجهة إليّ، كأن الناس تخترق الملابس والنظارة لترى البقع التي تشوه جلدي. وصلت إلى باب شقة أهلها، ووقفت متردداً لعدة دقائق، يدي ترتفع لتدق الجرس ثم تتراجع خوفاً من المواجهة.

أخيراً، استجمعت كل شجاعتي ودققت الجرس.

فتحت لي والدتها، التي أول ما رأتني تغيرت ملامحها للغضب والضيق، وقالت بجفاء: “عايز إيه تاني يا أحمد؟ مش خلاص طلقتها ورميتها عشان عيانة؟ جاي ليه دلوقتي؟”

قبل أن أنطق بكلمة، ظهرت هيام من خلف والدتها. كانت تبدو شاحبة، عيناها منتفختان من كثرة البكاء، لكنها كانت لا تزال تحتفظ بوقارها وهدوئها المكسور. نظرت إليّ وقالت لوالدتها بصوت هادئ: “سيبيه يدخل يا ماما.. نشوف عايز إيه.”

دخلت الصالة، ووقفت في المنتصف والارتجاف يتملكني. أغلق باب الشقة، والتفتت هيام إليّ وقالت ببرود: “خير يا أحمد؟ جاي ليه؟ متهيألي مفيش كلام تاني يتقال بعد كلام ليلة الفرح.”

خلعت النظارة الشمسية ببطء، ورفعت القبعة من على رأسي، ورفعت وجهي إليها لتراه بالكامل في ضوء النهار الساطع.

صدمت هيام، وتراجعت خطوة إلى الوراء، ووضعت يدها على فمها وهي تنظر إلى وجهي وكفي المليئين بالبقع البيضاء. توقعت أن أرى في عينيها نظرة انتصار، أو شماتة، أو حتى سخرية تعيد لي الصاع صاعين.

لكن ما رأيته في عينيها جعل الأرض تدور بي مرة أخرى…

 

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *