نودلز 2

الهدوء اللي حل في الشقة بعد ما قفل السكة في وش أمه كان هدوء غريب، شبه الهدوء اللي بيسبق العاصفة المدمرة. قعد مكانه على الكرسي وبص لكوباية الشاي اللي البخار بتاعها طالع ببطء. كان جواه صراع كبير، بس المرة دي مفيش فيه أي تراجع. القرار اتأخد وخلاص، والندم ملوش مكان في قلبه.
أول حاجة عملها الصبح لما الشمس طلعت، إنه اتصل بنجار يغير كالون الباب بالكامل. مش هيبقوا ماشيين بفلوسه وسايبين مراته وبنته بيموتوا من الجوع والبرد، ولما يرجعوا يفتحوا الباب بمفاتيحهم كأن مفيش حاجة حصلت ويخشوا يكملوا قلة أدبهم. غير الكالون واستلم المفاتيح الجديدة وحطها في جيبه، وحس إنه بكده قفل أول باب للشر اللي ممكن يجي منهم.
الأيام من يوم 1 يناير لحد يوم 4 يناير كانت أيام إعادة بناء حقيقية في البيت الصغير ده. جاب لمراته أحسن أكل ممكن تتخيله، خضار فريش، وفراخ بلدي، وعصاير طبيعية، وفواكه عشان تعوض الدم والتعب اللي شافته. جاب دكتورة متخصصة تجي البيت تتابع جرح العملية القيصرية وتطمن على البنت الصغيرة اللي كان وزنها نزل شوية بسبب قلة الرعاية واللبن المناسب.
الدكتورة لما جت وشافت مراته، بصتله بامتنان وقالت له إنها جت في الوقت المناسب تمامًا، لأن الإهمال ده كان ممكن يدخل مراته في حمى نفاس أو يسبب تلوث في الجرح، والطفلة كانت داخلة على دور برد شديد في الصدر بسبب البطانية الخفيفة دي. الكلام ده كان بينزل على قلب الراجل زي النار، وبيزوده إصرار على إنه ياخد حقهم تالت ومتلت.
مراته بدأت صحتها تتحسن تدريجيًا. الضحكة رجعت لوشها الشاحب، والأمان اللي حسته بوجوده كان كفيل يخلي جرحها يلم بسرعة. كانت بتقعد معاه في الصالة وهي شايلة البنت اللي اتدفت أخيرًا بلحاف جديد ناعم اشتراهولها، وتبص له بامتنان وتقول له بدموع في عينيها إنها كانت حاسة إنها هتموت لوحدها ومحدش هيدري بيها، وإنها كانت بتدعي ربنا كل ثانية إنه يرجع بالسلامة عشان ينقذهم.
كان بيمسح دموعها ويهديها ويقول لها إن اللي فات مات، وإن طول ما هو فيه النفس، مفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يمس شعرة منها أو من بنتهما. بس في نفس الوقت، كانت النبرة الخوف مسيطرة عليها لما تفتكر عيلته، وتقول له بخوف إن أمه مش هتسكت وأخته قوية وممكن يعملوا مشاكل كتير لما يرجعوا، وهي مش حمل بهدلة تانية.
رد عليها بابتسامة هادية وثقة كاملة وقال لها إن مفيش حد هيقدر يبهدلها تاني، وإن اللي زمان كان بيسكت عشان خاطر صلة الرحم وكلمة أمي وأختي، انهارده مابقاش يشوفهم غير ناس
الـ 4 أيام اللي عدوا لحد يوم 4 يناير كانوا بمثابة هدوء ما قبل العاصفة.
في الأيام دي، صب كل تركيزه على مراته وبنته. جاب ممرضة خاصة تيجي البيت كشف منزلي عشان تطمن على جرح العملية القيصرية لمراته، وتهتم ببنته اللي عانت من البرد والهمال لعدة أيام. جاب أحسن أنواع الأكل، الفاكهة، العصاير الطبيعية، والمكملات الغذائية اللي كانت محتاجاها بشدة. كان بيقف بنفسه في المطبخ يحضر لها الشوربة الدافية، ويوكلها بإيده وهي بتبص له وعيونها مليانة دموع مش مصدقة الحنية والأمان اللي حست بيهم بعد أيام الرعب والوحدة.
كل ما كانت صحتها بتتحسن، كل ما كانت بتحكي له تفاصيل أكتر عن اللي حصل في غيابه. حكت له إزاي أخته كانت بتدخل أوضتها وتفتش في دولابها وتختار اللبس اللي يعجبها عشان تاخده معاها السفر. حكت له عن حماتها اللي كانت بتبص لها بنظرات شماتة وتقول لها إنها ملهاش كلمة في البيت ده، وإن ابنها بيسمع كلام أمه في الأول والآخر ومستحيل يصدق غريبة عليها.
كان بيسمع وقلبه بيتحرق، بس كان بيمسك نفسه ويطبطب عليها ويقول لها:
حقك هيرجع يا نهى، وبزيادة كمان. بس ارتاحي دلوقتي وماتفكريش في أي حاجة.
في نفس الوقت، تليفونه مهدأش من الرن. رسايل الواتساب كانت بتنزل ورا بعضها زي المطر من أمه وأخته. في الأول الرسايل كانت كلها شتائم ودعاوى وغضب من أمه:
أنت بتفضحنا في بلاد برة يا حسين؟ تلغي الكارت واحنا بنحاسب؟ شكلنا بقى زبالة قدام الناس والويترز! يرضيك نتبهدل ونتسول عشان الهانم بتاعتك؟
وبعدين الرسايل اتغيرت وبقت توسل ورجاء من أخته لما عرفوا إن الكارت مش هيشتغل تاني خالص:
يا حسين أرجوك شغل الكارت بس ندفع حساب الأوتيل والطيارة ونرجع، والله العظيم هنموت من الجوع هنا ومش عارفين نتصرف، وجوزي ممعاهوش كاش يكفي كل ده. أبوس إيدك شغل الكارت وبلاش تفضحنا.
حسين مكنش بيرد على أي رسالة. كان بيقرأ الكلام وببرود تام يعمل أرشيف للمحادثة ويمسح الشاشة. سابهم يغرقوا في المشكلة اللي هما حطوا نفسهم فيها. ساب جوز أخته يتصرف ويتصل بطوب الأرض عشان يستلف فلوس يدفع بيها تمن الحجز والمصاريف اللي صرفوها ببذخ على قفاه.
يوم 3 يناير، حسين كلم محامي صاحبه وبيثق فيه جدًا. حكى له الموضوع بالكامل وسأله عن الإجراءات القانونية. شقة الزوجية كانت باسم حسين، بس أمه كانت كاتبة الشقة اللي فوقيها باسمها، وكان معاها نسخة من مفتاح شقته. المحامي نصحه يغير كالون الباب فورًا، ويوثق كل الفيديوهات اللي بتثبت السرقة والتبديد للأكل والمستلزمات، وخصوصًا اللحاف والأدوية اللي أخدوها وهي ملك لمراته وبنته، لأن ده يعتبر تبديد وسرقة واضحة وإهمال في رعاية طفل حديث الولادة يعاقب عليه القانون.
حسين نفذ نصيحة المحامي فورًا. جاب نجار وغير كالون الباب الرئيسي للبيت بكالون جديد متطور وشفرة ميعرفهاش غيره هو ومراته بس. وبدأ يرتب لليوم المنتظر. يوم 4 يناير.
يوم 4 يناير الصبح.
نهى بدأت تسترد عافيتها بشكل ملحوظ، ووقفت على رجليها وبقت قادرة تشيل بنتها وتتحرك بيها في الشقة. حسين طلب منها تلبس وتتأنق وتكون في كامل قوتها وثقتها بنفسها. مش عايزها تظهر بمظهر الضحية المكسورة قدامهم. عايزهم يشوفوها ملكة في بيتها، وجوزها واقف في ضهرها زي الجبل.
الساعة جت 4 العصر.
سمع صوت حركة غريبة في السلم برة. صوت شيل شنط تقيلة، ونفس عالي، وكلام بيبشر بإن الإعصار وصل.
حسين كان قاعد في الصالة، حاطط رجل على رجل، وبيشرب قهوته بهدوء تام. نهى كانت قاعدة جنبه وحاضنة بنتها بقوة، ملامحها كان فيها شوية قلق بس وجود حسين جنبها كان بيديها طاقة وقوة مكنتش تتخيل إنها تملكها.
صوت مفتاح بيتحط في الكالون برة.
المفتاح عمال يلف يمين وشمال، ومش عايز يفتح. الصوت بدأ يعلى، وصوت أخته برة وهي بتقول بنرفزة:
إيه ده يا ماما؟ المفتاح مش راضي يفتح ليه؟ أنتِ متأكدة إن ده المفتاح الصح؟
جالهم صوت الأم وهي بتنهج من التعب والغضب:
أومال يعني هيكون مفتاح إيه يا خايبة؟ هو المفتاح اللي بدخل بيه دايماً. تلاقي البنت الحرباية دي غيرت الكالون من ورا ابني عشان تمنعنا ندخل! والله العظيم لأسحلها في وسط الشارع النهاردة.
حسين ابتسم ابتسامة خفيفة. قام من على الكرسي بكل هدوء، ومشى بالراحة لحد ما وقف ورا الباب مباشرة. فتح الكالون الجديد بإيده، وسحب الباب لورا مرة واحدة.
أول ما الباب اتفتح، المشهد كان يضحك ويبكي في نفس الوقت.
أمه، وأخته، وجوز أخته، وابنهم الصغير، واقفين في الممر برة وحواليهم كمية شنط مهولة. أشكالهم كانت متبهدلة ومرهقة جدًا من السفر والبهدلة اللي شافوها هناك بعد ما الفلوس اتسحبت منهم واضطروا يتصرفوا في كاش بالعافية عشان يرجعوا. وشوشهم كانت صفرا من الغل والتعب.
أول ما أمه شافت حسين واقف قدامها، ملامحها اتغيرت من الغضب للذهول الشديد. فتحت بقها ومكنتش قادرة تنطق بكلمة لثواني. بعدين حاولت تستجمع قوتها وصوتها المبحوح وقالت:
حسين! أنت هنا؟ أنت رجعت بجد؟
حسين بص لهم من فوق لتحت ببرود تام وقال:
أه رجعت يا أمي. من يوم 31 ديسمبر بالليل وأنا هنا. اتفضلوا واقفين برة ليه؟
أخته زقت أمه ودخلت وهي بتصرخ بغل وأنانية واضحة:
أنت بتعمل فينا كده ليه يا حسين؟ بهدلتنا ووقفت حالنا في الغربة! جوزي قعد يترجى طوب الأرض عشان يسلفنا فلوس الفندق والتذاكر! شكلنا بقى زبالة ومرمطت كرامتنا في الأرض عشان خاطر مين؟ عشان خاطر الهانم دي؟
أخته شاورت بصوباعها على نهى اللي كانت قاعدة جوة وبتبصلهم بكل هدوء وثبات.
جوز أخته دخل وراها وهو بينفخ وعامل نفسه راجل حمش وقال بصوت عالي:
ينفع كده يا حسين؟ اللي عملته ده ميرضيش ربنا! احنا نسيب أشغالنا ونطلع نتفسح تروح موقف الكارت وسايبنا محتاسين هناك؟ ده أنا لولا واحد صاحبي بعتلي قرشين على فودافون كاش مكنتش هعرف أرجع عيالي لبلدهم! دي أخرة الجدعنة معاك؟
حسين فضل واقف مكانه، ملامح وشه متهزتش ولا اتأثرت بكلامهم ولا بصوتهم العالي. سابهم يقولوا كل اللي عندهم لحد ما سكتوا تمامًا وهما مستنيين يشوفوا رد فعله، أو مستنيين منه يبرر أو يعتذر أو يضعف قدام دموع أمه اللي بدأت تنزل بتمثيل متقن.
أمه قربت منه وهي بتعيط وبتقول بمسكنة:
كده يا حسين؟ تهون عليك أمك اللي تعبت فيك وربتك؟ تخليني أرجع مكسورة الخاطر ومتبهدلة في وسط الناس عشان خاطر واحدة غريبة؟ أنا كنت بداري عليها وبراعيها وسايبالها الأكل كله وهي اللي كدبت عليك وقالت لك إني أخدت حاجتها! دي كدابة وعايزة تخرب بيتك وتفرقنا عن بعض!
حسين أخد نفس طويل، وبص لأمه في عيونها مباشرة وقال بنبرة هادية بس مرعبة من كتر الحسم اللي فيها:
خلصتوا كلامكم؟
كلهم سكتوا وبصوا لبعض بقلق. النبرة دي مكنتش نبرة حسين اللي يعرفوه. حسين الطيب اللي كان بيوافق على كل طلباتهم ويسكت عشان يمشي المركب اختفى تمامًا. واقف قدامهم راجل تاني خالص.
حسين اتوجه للتلفتزيون الكبير اللي في الصالة، ومسك الريموت. ضغط على زرار، وفجأة الشاشة الكبيرة نورت وظهر عليها تسجيل فيديو واضح وبجودة عالية جدًا.
الفيديو كان من كاميرا المطبخ.
ظهرت فيه أمه وأخته وهما واقفين يوم 31 ديسمبر الصبح، بيلموا علب اللبن الصناعي والأكل من التلاجة والفريزر. وصوت أخته طالع واضح ونقي وهي بتقول:
البيبي مش هيموت من البرد يعني.. الشقة مقفولة ودفا. لكن هناك في المكسيك الجو بيبقى رطب بالليل ومحتاجين حاجة تقيلة.
وظهرت أمه وهي بتقول بوضوح وصوت كله شماتة وقسوة:
تعيط براحتها… هو عمره ما هيختار غيرنا… وهيفضل دايمًا في صفنا. عندك نودلز… هتعيشي بيها كام يوم.
الصمت حل في الصالة كأن على رؤوسهم الطير. أمه وشها بقى أزرق، وحست إن رجليها مش شايلاها. أخته حطت إيدها على بقها بصدمة، وجوز أخته بص للأرض ومش عارف يودي وشه فين بعد ما سمع مراته وأم مراته وهما بيتكلموا بمنتهى القسوة والجشع ده.
حسين قفل التلفزيون وبص لهم وقال بصوت واطي بس قوي زلزل المكان:
التسجيل ده متسيف على موبايلي، وعلى تلات إيميلات مختلفة، ونسخة منه راحت للمحامي بتاعي عشان يرفع قضية تبديد وسرقة وإهمال في رعاية طفلة.
أمه بدأت تترعش وقالت بصوت مهزوز:
يا ابني.. أنت هتحبس أمك وأختك عشان حتة لحاف وشوية أكل؟ احنا كنا بنهزر.. الكلام مكنش كده!
حسين رد عليها بحدة غضب انفجرت لأول مرة:
كنتوا بتهزروا؟ بتهزروا لما تسيبوا بنتي اللي عمرها 11 يوم من غير غطا يدفيها في عز التلج ده؟ بتهزروا لما تسيبوا مراتي اللي بطنها مفتوحة بقالها أيام من غير لقمة عيش سخنة تاكلها وتاخد دواها؟ بتهزروا لما تاخدوا شقا عمري وغربتي في مصانع ألمانيا وتصرفوه على الفسح والمنظرة في المكسيك وتكتبوا على الصور “العيلة اللي بجد”؟ هي دي العيلة يا أمي؟ دي الأمانة اللي سيبتهالك؟
أخته بدأت تعيط بجد دلوقتي وقالت:
أرجوك يا حسين بلاش فضايح وقضايا.. احنا أسفين.. والله ما كنا نقصد كل ده. احنا بس طمعنا في الفسحة والشيطان شاطر.
حسين بص لأخته وقال بقرف:
الشيطان شاطر فعلاً.. بس أنتوا كنتوا أشطر منه بكتير. الشنط اللي برة دي فيها اللحاف وفيها الهدوم والأدوية اللي أخدتوها من هنا. الحاجات دي هتدخل الشقة حالا.
جوز أخته اتكلم بسرعة وبخوف:
حاضر يا حسين.. حالا هندخلها.. وكل اللي أنت عايزه هيحصل بس بلاش محاكم وقضايا الله يخليك.. دي سمعة عيلة برضه!
حسين ضحك بسخرية وقال:
سمعة عيلة؟ أنتوا افتكرتوا السمعة والأصول دلوقتي؟ عمومًا، المحامي شغال في الإجراءات والسرقة دي موثقة. بس أنا هعمل معاكم قرص أذن صغير عشان تعرفوا إن الله حق. الشقة اللي فوق دي، اللي باسم أمي.. المفتاح بتاعها معايا. ومن هنا ورايح، مفيش مخلوق فيكم هيعتب عتبة بيتي ده تاني.
أمه بصتله برعب وقالت:
يعني إيه يا حسين؟ أنت بتطردنا؟
حسين بص لها بجمود وقال:
أنا بقطع علاقتي بيكم تمامًا لحد ما أشوف هعمل إيه في المحاضر دي. الشنط بتاعتكم تطلع فوق، ومشوفش وش حد فيكم هنا. ولو فكرتوا تضايقوا مراتي أو تقربوا من باب الشقة دي بس.. الفيديوهات دي هتكون على كل صفحات السوشيال ميديا وتكونوا فرجة للناس كلها في المنطقة وخارجها.
أخته وأمه انهاروا من العياط وبدأوا يلموا الشنط بكسرة وخزي ممرتش عليهم في حياتهم كلها. جوز أخته كان بيبص لحسين بنظرات كلها غل وحقد، بس مكنش قادر يتكلم لأنه عارف إن حسين معاه دليل يدمرهم كلهم قانونيًا واجتماعيًا.
بدأوا يشيلوا الشنط ويطلعوا السلم للشقة اللي فوق وهما بيجروا أذيال الخيبة والفضائح.
حسين قفل الباب وراهم بقوة، ورجع الكالون الجديد مكانه. بص لنهى اللي كانت بتعيط بس المرة دي دموع فرحة وانتصار وأمان. راح قعد جنبها وأخدها في حضنه وباس راس بنته الصغيرة.
بس وهو قاعد، جاله إشعار على موبايله.
رسالة من رقم غريب، فتحها لقى مكتوب فيها:
فاكر إنك كده كسبت يا حسين؟ الفيديوهات دي لو طلعت، إحنا كمان عندنا كلام كتير قوي نقوله للمحكمة وللناس عنك وعن مراتك.. واللعب لسه في أوله ومخلصش.
حسين بص للرسالة، وعيونه ضيقت بغموض.. وعلم إن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ.




