أقرب صاحب ليا 3

العربية بدأت تتحرك، وأنا بقيت أجري وراها وأنا بصرخ:
“كريم! طب وأنت؟! هترجعلي إمتى يا كريم?!”
كريم طلع إيده المكلبشة من الشباك وشاورلي وهو بيصرخ بصوت أخير دوي في الشارع:
“ارجعي للمستشفى يا سارة! اجري على الحضّانة… الدكاترة اتصلوا بيا قبل ما أنزل من شقة توفيق وقالوا إن معجزة حصلت! البنت الصغيرة نبضها رجع ينتظم وأمك بدأت تفوق! مريم ما سيبتناش يا سارة… مريم سايبالنا حتة منها تعيش بينا!”
مشيت العربية واختفت في الضلمة… وأنا وقفت في نص الشارع، بين دموع الفراق والوجع، وبين أمل جديد بيتولد من وسط الرماد.
جريت تاني على المستشفى… والمرة دي، لما دخلت العناية المركزة، لقيت أمي فتحت عينها وبتبصلي بضعف والدموع في عينها، وجوة أوضة الحضّانات، صوت الممرضة كان طالع وهي بتقول بابتسامة:
“التؤام حالتهم استقرت تماماً… الجين الخامل اختفى من دمهم زاي ما يكون ما كانش موجود!”
قعدت على الأرض في طرقة المستشفى، وحطيت إيدي على وشي وأنا بكي… بس المرة دي كانت دموع ارتياح.
عمي الشراني مات وجزاؤه جاله، أمي والتؤام نجو بفضل ربنا، وكريم بيواجه التحقيقات عشان يثبت براءته من موت عمي.
لكن السؤال الوحيد اللي كان فاضل وميعاد إجابته قرب أوي…
هل كريم هيخرج بريء ويكون لينا فرصة نلم جروحنا ونبدأ حياة جديدة سوا زي ما مريم تمنت في جوابها؟ ولا القدر لسه شايلنا الفصل الأخير من الوجع؟
مرّت ثلاث سنوات على تلك الليلة التي غيّرت مجرى حياتنا للأبد…
خرج كريم بريئاً بعد أن أثبت تقرير الطب الشرعي وتحقيقات النيابة أن وفاة عمي توفيق كانت طبيعية تماماً نتيجة سكتة قلبية ناتجة عن التوتر الشديد، ودون أي تدخل جنائي.
لم تكن العودة للحيَاة سهلة؛ الجروح كانت عميقة، وفقدان مريم ترك فراغاً لا يملؤه أحد. لكن ذكراها الناصعة كانت هي الضوء الذي أنار لنا أظلم الأوقات.
بالورق والمستندات التي تركها والدي، استرددنا كافة حقوقنا المالية وسوينا كل الأوضاع القانونية. أمي استردت عافيتها بالكامل، وصارت تمضي كل أوقاتها بين ألعاب التؤام، تبتسم كلما رأت في وجهيهما ملامح مريم ورقتها.
أما الصغيران، “مريم” و”حسام”، فقد كبرا وحملا الشبه الأكبر من أمهما… كانا طفلين سليمين، مفعمين بالحياة والشقاوة، وكأن روح مريم الطاهرة دبت فيهما لتكمل ما لم تسعفها الحياة لإكماله.




