قررت اروح لدكتورة حكايات صافي هاني 1

موافقة على فحوصات عاجلة
واسمي موجود
الدنيا بدأت تغيم قدام عيني
قلت بصوت واطي
لو مضيت أحمد هيعرف
حطت القلم في إيدي وقالت
لأ الملف ده بره أي نظام يقدر يوصل له
وقتها لأول مرة من الصبح حسيت إني عرفت آخد نفس
مضيت
#حكايات_صافي_هاني
#حصري
الممرضة سحبت عينة دم والدكتورة جهزت عينة بول وقفلت كل العينات في أكياس شفافة وهي حاطة اسمي ظاهر على كل واحدة وكأنها بتحاول تحمي الأدلة قبل ما حد يوصلها
وسألتني
جوزك بيديكي أي أدوية في البيت
قلت
حقن فيتامينات
سألت
وبتشربي حاجة
افتكرت حماتي أم أحمد وهي كل صباح تدخل عليا بكوباية فضة وتقوللي اشربيها عشان صحتك
قلت
مشروبات أعشاب كل يوم الصبح
الممرضة وقفت عن الكتابة
أما الدكتورة فما استغربتش لكنها بان عليها القلق وكانت بتحاول تخبيه
وفجأة جرس باب العيادة رن
مرة
واتنين
الممرضة جريت تبص على كاميرا الباب واتغير وشها
وقالت للدكتورة
ده هو
الدكتورة لفت الشاشة ناحيتي
كان أحمد واقف قدام باب العيادة الزجاجي لابس البالطو الأبيض وشكله متوتر جدًا
وجنبه حماتي لابسة حلق لولي وبإيدها نفس الكوباية الفضة اللي كانت بتدخلها أوضتي كل صباح
أحمد خبط بإيده على الباب وهو بيزعق
يا بسمة افتحي الباب
#حكايات_صافي_هاني
#حصري
اتخضيت لدرجة إن الورق اللي تحتي اتقطع
أما حماتي فما خبطتش على الباب
كل اللي عملته إنها رفعت الكوباية شوية كأنها بتعرضها عليا
الدكتورة قربت من شاشة الكاميرا وقالت للممرضة
قربي الصورة
الممرضة عملت تقريب للصورة
وفجأة الكوباية الفضة بقت واضحة جدًا قدام الكاميرا وبدأت تميل ببطء…يتبع في الجزء الثاني…
أحمد خبط بإيده على الباب الزجاجي تاني، المرة دي بصوت أقوى هز العيادة كلها، وكان وش أبيض من كتر الغضب، عينيه متثبتة على الكاميرا كأنه شايفنا من ورا الشاشة. حماتي كانت واقفة جنبه، وشه هادي بثبات يرعب، عينها ما رفعتهاش عن الباب وهي ماسكة الكوباية الفضة بنفس الإيد اللي متعودة تشتال بيها السُبحة.
الدكتورة نادية زقت كرسيها لورا ببطء، من غير ما تعمل أي صوت، وبصت للممرضة وقالت بصوت واطي جدًا كأنها بتهمس لنفسها:
– “المادة اللي في الكوباية بتسيب أثر لوني على حواف الفضة.. قربي الزوم أكتر يا هدى.”
هدى الممرضة صوابعها كانت بترتعش وهي بتضغط على شاشة التحكم، الشاشة كبّرت الصورة أكتر.. حافة الكوباية الفضة كان نازل منها نقطة زيتية تقيلة، لونها مائل للسواد، نقطت على بلاط السلم قدام الباب، وفي نفس اللحظة اللي النقطة لمست فيها الأرض، حسيت بوجع مغص شديد وسريع مسك في أسفل بطني، كأن جسمي بيفكرني بريحة المشروب ده اللي كنت بشربه كل يوم الصبح وأنا فاكرة إنه “عشب للحمل”.
أحمد بره بدأ يضرب الباب بكفه المفتوح، وزعيقه بدأ يوصلنا مكتوم من ورا الإزاز:
– “يا بسمة! افتحي بدل ما أكسر الباب! إنتي اتجننتي؟ طالعة من البيت من غير ما تقوليلي؟ افتحي يا دكتورة نادية أنا زميلك الدكتورة أحمد منصور!”
الدكتورة نادية ما اتوترتش، لفت ليا، وطت على مستواي وقالت بثبات غريب:
– “بسمة.. اسمعيني كويس. جوزك دكتور، وعارف إن العيادات دي ليها حرمة، وعارف كمان إن لو الباب اتفتح دلوقتي وهو في الحالة دي، القانون معاي أنا مش معاه. بس الأهم من ده كله.. العينات اللي اتسحبت منك لازم تخرج للتحليل الجنائي فورًا من الباب الخلفي للعيادة. هدى هتاخدها وتطلع بيها على المعمل المعتمد.”
مسكت فستاني الحامل بايديا الاتنين، ورجلي كانت لسه بترتعش فوق سرير الكشف.
– “دكتورة.. هو مش هيسيبني. أحمد لو عرف إنني كشفت بره، مش هيدخلني البيت تاني.. وابني..”
دموعي نزلت سالكة من غير ما أحس، غطت وشي. افتكرت كل مرة كان بيقفل فيها عليا باب الشقة بالمفتاح ويقولي: *”عشان خايف عليكي من الهوا يا بسمة، إنتي حتة مني ومسؤولة مني”*. افتكرت أمه وهي بتقعد جنب السرير الصبح، تحط إيدها على ركبتي وتقولي: *”اشربي يا حبيبتي، ده المشروب اللي بيثبت الحمل، أحمد هو اللي جايب الأعشاب دي بنفسه من بره عشان خاطرك”*.
الدكتورة مسكت إيدي وقالتلي بنبرة مافيهاش أي شك:
– “ابنك جوه بطنك بيحاول يعيش يا بسمة.. اللي بيتاخد ليكي ده مش فيتامينات، ولا أعشاب تثبيت. اللي محقون في جسمك، واللي في الكوباية دي، مواد بتضعف مشيمة الجنين بالتدريج عشان ينزل في الوقت اللي هما يحددوه، يبان إنه إجهاض طبيعي أو موت جنين مفاجئ! هو بيعمل كده ليه؟ ده اللي التحليل هيثبته.”
الكلمات نزلت عليا زي المية الساقعة في نص الثلج. راسي دارت، بصيت للباب.. أحمد كان بيحاول يدخل كارت بلاستيك في الفتحة بين الباب والحيطة عشان يفتح كالون الكهرومغناطيسي، حماتي مالت عليه وقالتله كلام ما سمعناهوش، بس شفايفها كانت بتتحرك ببطء، وبعدها رفعت عينيها للكاميرا بشكل مباشر، كأنها عارفة إننا بنبص عليها، وابتسمت نفس الابتسامة الباردة.
هدى الممرضة أخدت الأكياس الشفافة وحطتها في شنطة حفظ حرارية صبغة سودا، واستأذنت من الدكتورة وخرجت تجري من الممر الخلفي للعيادة.
الدكتورة نادية مشيت ناحية المكتب، فتحت الدرج وسحبت دفتر الشكاوى والمحاضر الفورية، وبصتلي وقالت:
– “قومي يا بسمة، البسي جزماتك بالراحة، وما تبصيش لبره خالص. هنفتح الباب.. بس بشرط.”
مسكت في حافة السرير وقلت بصوت مقطوع:
– “شرط إيه؟ هيدخل يقت/لني يا دكتورة!”
– “مش هيقدر يلمسك. أنا طلبت أمن العمارة، وطلبت شرطة النجده من دقيقة بالظبط، وقلت إن في محاولة اقتحام لعيادة طبية وتهديد لمريضة. هفتح الباب وأنا في إيدي الموبايل بيسجل صوت وصورة. كل كلمة هيقولها هتبقى ضد ه في المحضر.”
سمعنا صوت حركة بره، أجهزة الأمن بتوع العمارة جم، وصوت أحمد بدأ يعلى أكتر وهو بيكلمهم بلغة العظمة اللي متعود عليها:
– “ابعد إيدك عنه أنت وهو! دي مراتي! مراتي وحامل في الشهر السابع وهربانة من البيت! أنا دكتور نسا وتوليد وعارف حالتها الصحية، المدام عندها ذهانات وتخيلات وبتاخد أدوية نفسية، وجودها هنا خطر على حياتها وعلى الجنين!”
أول ما سمعت جملته دي، ركبي سابت خالص. قعدت على الأرض جنب السرير.
*”ذهانات وتخيلات؟”*
افتكرت لما كان بيجبرني أوفق على إجازة طويلة من شغلي في المدرسة، ولما قال لأهلي في التليفون: *”بسمة تعبانة شوية يا جماعة ونفسيتها مش مستقرة، بلاش تجولها الفترة دي عشان المحيط يبقالها هادي”*. كان بيرتب لكل ده من أشهر! كان بيقفل كل الحلقات حواليا عشان لما يجي اليوم ده، محدش يصدقني!
الدكتورة نادية ضغطت على زرار الفتح الآلي للباب الزجاجي.
صوت “تك” رفع القفل.
الباب اتفتح ببطء. أحمد دخل الخطوة الأولى، وشه أحمر ودمه فوراني، وعينيه تدور في المكان زي الصقر لحد ما اتثبتت عليا وأنا قاعدة على الأرض. حماتي دخلت وراه بثبات، حاطة الكوباية الفضة على الترابيزة اللي جنب الباب بمنتهى الهدوء كأنها في بيتها.
أحمد قرب مني بخطوات سريعة، ومسد إيده على الهواء كأنه بيهديني وقال بنبرة تمثيلية مرعبة:
– “بسمة.. حبيبتي، تعالي معايا. يلا يا بابا.. نسيتي تاخدي دواكي النهاردة وعقلك بدأ يتخيل حاجات تاني؟ تعالي يا حبيبتي الأستاذة الدكتورة مش فاهمة حالتك.”
مد إيده عشان يمسك دراعي ويقومني بالعافية، بس الدكتورة نادية وقفت في النص بيني وبينه، ورفعت موبايلها في وشه.
– “خطوة كمان يا دكتور أحمد، وهتكون بتعتدي على مريضة جوه عيادتي وعلى مرأى من كاميرات المراقبة وأفراد الأمن.”
أحمد وقف، ضحك ضحكة مكتومة وصغيرة، وبص للدكتورة نادية احتقار:
– “دكتورة نادية.. بلاش تدخلي في اللي مالكيش فيه. أنتِ مش عارفة حاجة. المدام ملفها الطبي عندي، بتعاني من اكتئاب حمل حاد مع هلاوس سمعية وبصرية. نسيت أقولك.. هي اللي كانت بتطلب الحقن بنفسها عشان خايفة على البيبي!”
بصيتله وأنا مش مصدقة، وحاولت أجمع صلب صوتي عشان أرد:
– “أنا.. أنا عمري ما طلبت منك حقنة يا أحمد! أنت كنت بتقولي دي فيتامينات عشان النمو! وأمك.. أمك كانت بتجيبلي الكوباية دي كل يوم وتقولي اشربيها بالسيف!”
حماتي بصتلي بأسف مزيف وقالت للدكتورة:
– “شايفة يا دكتورة؟ بتتهم جوزها وأمه اللي شايلينها على كفوف الراحة. الكوباية دي فيها شاي أعشاب تهدي عصبها، هي اللي طلبتها الصبح لما هربت.”
الدكتورة نادية ابتسمت نص ابتسامة وقالت بصوت هادي جداً يتحدى هدوءهم:
– “جميل جداً يا مدام.. الكوباية على الترابيزة اهي، وأنا أخدت بصمات وعينة سريعة من المادة اللي فيها قبل ما تتدخلوا، والشرطة والأدلة الجنائية على بعد شارعين من هنا.”
وش أحمد اتغير في ثانية. النظرة المتكبرة اختفت حل محلها خوف مكبوت وعينيه راحت بسرعة ناحية الكوباية الفضة.
أحمد حرك جسمه بفجائية عشان يوصل للكوباية وياخدها، بس فرد الأمن مسك كتفه. أحمد زقه بقوة وقال:
– “أنت بتمد إيدك عليا يا جربوع أنت؟ الكوباية دي ملكي وحاجتي الشخصية!”
في اللحظة دي، سمعنا صوت سيرينة النجدة بتعلى تحت العمارة. الصوت كان بيدق في ودني زي طوق النجاة.
أحمد بصلي، ولأول مرة أشوف في عينيه الضعف اللي كان بيخبيه ورا كلمة “حماية”. قرب مني ووطى لمستوايا، وزعق بصوت واطي ومبحوح كأنه بيترجاني بس بأسلوب تهديد:
– “بسمة.. لو الكشف ده كمل، ولو الكلام ده طلع بره.. مش هتشوفي ابنك تاني. أنتِ فاهمة؟ الشقة بآسمي، والتقرير الطبي بحالتك النفسية متوثق من شهور مع دكاترة أصحابي.. هطلعك مجنونة ومحدش هيديكي العيل!”
الكلمات نزلت عليا زي الخنجر، مسكت في بطني جامد وحسيت بالطفل بيتحرك حركة سريعة ومضطربة كأنه حاسس بالخوف معايا.
الدكتورة نادية قالت بصرامة:
– “التهديد ده يتسجل يا دكتور. الشرطة طالعة على السلم.”
الباب الخارجي اتفتح، ودخل ظابط الشرطة معاه اتنين عساكر. المكان بقى زحمة فجأة، الضوء الأيض بتاع العيادة كان بيعكس على العساكر، وأحمد واقف بالبالطو الأبيض بتاعه اللي كان بيتباهى بيه، وحماتي ماسكة شنطتها الكلاسيك وبتحاول تداري الكوباية الفضة بوشها.
الظابط بص في الأوضة وقال:
– “مين اللي طلب النجدة؟”
الدكتورة نادية رفعت إيدها وقالت:
– “أنا يا فندم. دكتورة نادية زكي، صاحبة العيادة. وبدعي إن الدكتور أحمد منصور وزوجته بيحاولوا يداروا على ج/ريمة تسميم بطيء وتثبيط حمل لمريضتي اللي هي مراته، وعندي أثباتات وعينات اتسحبت وتحت التحليل.”
الظابط بص لأحمد، وبعدين بصلي وأنا قاعدة على الأرض، هدومي متبهدلة وورق السرير الملزوق في رجلي مقطوع.
الظابط قال:
– “اتفضلوا معانا كلكم على القسم لتفريغ الكاميرات وتحرير المحضر.”
أحمد بص لأمه، وأمه بصلته. كانت أول مرة أشوف حماتي بتفرك إيدها بتوتر. أحمد حاول يتكلم بثبات:
– “يا فندم أنا دكتور معروف، ودي زوجتي وفي خلافات عائلية..”
الظابط قطعه بصوت حازم:
– “الكلام ده في القسم يا دكتور. الاتهامات هنا مش خلافات عائلية، دي فيها شروع في إجهاض وجناية طبية. اتفضلوا قدامي.”
وأنا بوم بمساعدة الدكتورة نادية، الموبايل المقلوب على الترابيزة اتهز تاني.
شاشة الموبايل أنارت.
كانت رسالة جاية على تليفون أحمد من رقم غير مسجل، والرسالة ظهرت على الشاشة المقفولة وعيني جتها بالصدفة وأنا معدية من جنبه:
*”الدوزة الأخيرة لازم تاخدها النهاردة يا أحمد وإلا الوصية هتتلغي والبيت هيروح لبسمة رسميًا يوم الولادة.”*
وقفت مكاني.. ركبي اتقفلت.. بصيت لأحمد، ولأول مرة أفهم السر الكبير ورا كلمة “حماية”..
… يتبع في الجزء الثالث …




