أمي كانت جاية تزورني حكايات زهرة ١

…ومعرفتش ارد اقول ايه بس اللي قاله جوزي وقتها زلزل الجميع شئ فاق توقعاتنا كلنا !!!!!وقفتُ في مكاني متسمرة كأن الأرض سُحبت من تحت قدمي فجأة. كنت أتنقل بنظرات تائهة مذعورة بين أمي التي تجلس بجبسها الأبيض ودموع القهر تملأ تجاعيد وجهها الطيب، وبين أخي “سيد” الذي انتفخت عروق رقبته ويده تشير نحوي بأمر قاطع لا رجعة فيه، وبين حماتي التي وقفت واضعة يدها في وسطها، عيناها تقدحان شرراً وتحدياً، تبيع وتشتري في مستقبلي وبيتي وأولادي كأنني مجرد عابرة سبيل لا وزن لها.

كان السكوت في الغرفة ثقيلاً يخنق الأنفاس، عيون الممرضين والمرضى في الممر بدأت تلتفت لصراخ حماتي وأخي، وأنا لساني عاجز، عقلي يصرخ بألف كلمة ولا صوت يخرج: كيف أترك أمي المكسورة التي أُهينت كرامتها ومُسح بها البلاط في وضح النهار؟ وكيف أخرّب بيتي وأفرّط في عيالي الذين تركتهم نائمين في شقتي؟ هل أكون الابنة العاقة أم الأم التي هدّت بيتها في لحظة غضب؟وفجأة، شق السكوت صوتُ “عماد”.

ما كان صراخاً ولا كان انفعالاً طائشاً، بل كان صوتاً منخفضاً، عميقاً، يرتجف بوجع وغضب مكبوت جعل الغرفة كلها تتجمد. خطى عماد خطوتين للأمام، وقف في المنتصف تماماً بين أمه وبين أخي سيد، ثم التفت ونظر لأمه نظرة عمري في حياتي ما رأيتها في عينيه؛ نظرة خذلان وانكسار حقيقي. قال عماد وهو يوجه كلامه لأمه ببطء شديد:”تجوزيني غيرها تاني يوم يا أمي؟ بالسهولة دي بتهدي بيتي وبتفرقي بيني وبين مراتي وأم ولادي؟ بالسهولة دي بتدوسوا كلكم على لحمي وعرضي؟”حماتي ارتبكت لحظة من نبرته، لكنها حاولت تتماسك بنبرة السيطرة المعتادة:”أنا بدافع عن كرامتك يا عماد!

ساكت لنسيبك وهو بيهدد بخراب بيتك وبياخد مراتك من قدامك؟ ساكت لقلة قيمتك؟!”قاطعها عماد بصوت حاسم كالسكين، وارتفع صوته فجأة ليهز جدران المستشفى:”كرامتي ضاعت من اللحظة اللي حضرتك ركبتي فيها دماغك وصدقتي الخرافات والجهل وعميتي قلبك عن ربنا! كرامتي اتمسحت لما حماتي.. الست الطيبة اللي شيلتني في عينيها وعمرها ما طلبت مني جنية، تقع على سلمي وتتكسر وتتبهدل هدومها، وبدل ما نبوس راسها ونعتذر ونتوارى من الخجل، تقفي في وشها وتتهميها بالسحر والحسد وتعايريها بمرضها وعجزها!

“سيد أخي اندهش وخفض يده المشيرة، وأمي رفعت عينيها الممتلئة بالدموع لعماد، أما حماتي فشهقت وهي تضع يدها على صدرها:”أنا يا عماد؟! بتعلي صوتك عليا وبتهيني عشان خاطرهم؟ بقى أنا الجاهلة يا ابن بطني؟!”هنا حدثت المفاجأة التي شلت تفكيرنا جميعاً. عماد لم يتراجع، بل تقدم نحو سرير أمي، ونزل بركبتيه على أرضية المستشفى الباردة، مسك قدم أمي المجبوسة بكلتا يديه، وانحنى بجبهته حتى لمست الجبس، وقبّل قدمها المكسورة بصوت باكي ودموعه تنزل بغزارة على الجبس الأبيض، ثم قبّل يدها المرتعشة وهو يقول بصوت يقطّع نياط القلب:”حقك عليا يا أمي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *