حماتي حكايات زهرة ١

رجعت خطوة لورا، وقفت بثبات، وبصيت لسامح ولأمه بنظرة هادية جداً خلت جوزي ينزعج. النظرة دي ما كانش فيها لا غضب ولا دفاع عن النفس ولا عياط، كان فيها الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
شيلت شنطة البرتقال من على الأرض بالراحة، وقربت خطوتين. حماتي أول ما شافتني بقرب بالشنطة، زادت في التمثيلية، مسكت رقبتها وبدأت تعمل صوت حشرجة أعلى، وجسمها يتهز وهي بتشهق: “آه يا صدري.. ألحقني يا سامح.. هتخنق! الموت جالي!”
سامح قام وقف في وشي بغضب وصوته علي: “أنتِ مابتفهميش؟ أقولك أمي بتموت بتقربي ليه؟ طلي بره بالحاجة دي فوراً!”
بصيت لسامح بثبات وقولتله بصوت واطي ومريح جداً: “سامح، أنت صح. أنا آسفة جداً.. أنا فعلاً مكنتش مقدرة حجم الكارثة. أمك مش مجرد بتتحسس، أمك حالتها خطيرة جداً وتستدعي تدخل سريع، وأنا مش هسيبها تموت قدام عينك وأقف ساكتة.”
سامح اتهز لحظة من رد فعلي المفاجئ، وحماتي صوتها وطي سنة صغيرة من الصدمة، لكنها كملت تمثيل وتأوه.
حطيت شنطة البرتقال على الترابيزة القريبة، وطالعت تليفوني بسرعة. سامح قاللي بذهول: “أنتِ بتعملي إيه؟”
رديت وأنا بصلح ملامح وشي بمنتهى الجدية والرعب المزيف: “بطلب إسعاف الطوارئ فوري، وبطلب حجز في مستشفى الصدر.. الحالة دي اسمها الشوك التحسسي القاتل، ولو ما اتلحقتش بخرطوم أكسجين وتجهيز للعناية المركزة خلال دقائق، القصيبة الهوائية بتبلع نفسها وتخنق المريض! ده غير إننا لازم نبلغ وزارة الصحة ييجوا يعملوا تعقيم للبيت كله من البرتقال اللي هنا لأن الحساسية دي وصلت لمرحلة تنفسية معادية للجو!”
حماتي برقت عينيها، وجسمها اتصلب على الكنبة.
طلعت تليفوني، وضغطت رقم ورفعت الموبايل على ودني، وبدأت أتكلم بصوت عالي ومرعوب ومتقطع وكأني بكلم الإسعاف: “أيوه يا أفندم! إسعاف الطوارئ؟ معايا حالة تحسس تنفسي حاد جداً من ريحة برتقال مقفول في كيس! الست مش قادرة تاخد نفسها، الجلد بيتحرق، وفي حشرجة موت! العنوان… بسرعة يا أفندم هاتوا سيارة العناية المركزة وفريق الإنعاش، الست بتضيع!”
سامح اتخض وبص لأمه: “للدرجة دي يا نيرة؟”
رديت عليه وأنا ماسكة الموبايل وبمثل الخوف: “وأكتر يا سامح! الحساسية اللي بتعمل بقع في الجلد وحشرجة من مجرد وجود الحاجة في البيت ده عرض لمرض نادر جداً، ولازم المريض يتحط في غرفة عزل معقمة لمدة أسبوعين، ويتمنع عنه الأكل الصلب ويتحقن بأمبولات كورتيزون عالية الشدة في العضل كل أربع ساعات عشان الرئة ماتقفش!”
بصيت لحماتي ولقيت وشها بدأ يجيب ألوان. الششرجة اختفت فجأة، وإيدها اللي كانت بتترعش نزلت على بطنها.
كملت تمثيل وقربت منها بمنتهى العطف المزيف، ووطيت على ركبتي جنبها، ومسكت إيدها بقوة عشان ما تعرفش تهرب: “معلش يا طنط.. استحملي! أنا اتصلت بالدكتور كمان، وقولتله على ملايات السرير والسجاد والقطط والورد اللي عملولك حساسية قبل كده.. الدكتور اتقمص جداً وقال دي حالة نادرة ولازم يتحفظ عليكِ في المستشفى ولازم نقطع عنك كل الأكل اللي فيه روائح، من بكرة مفيش فاكهة ولا طبيخ ولا أكل من بره، عايشة على المحاليل وبس لحد ما نعمل مسح شامل للجسم!”
حماتي بصتلي برعب، وحاولت تسحب إيدها من إيدي بس أنا كنت ماسكاها بتمكن وببص في عينها بابتسامة مرعبة.
سامح قرب بقلة حيلة وقال: “بس يا نيرة أمي بتهدى أهيه.. يمكن مش مستاهلة مستشفى وتسميم بمحاليل؟”
رديت بسرعة وصوت عالي حاسم: “لأ يا سامح! أنت مش دكتور! أنت عايز أمك تموت في البيت ونشيل ذنبها؟ بكرة الصبح أنا هروح للعميد في المستشفى وهجيب عربية التعقيم للملايات والسجاد، وهنرمي كل السجاد اللي في البيت ونغير الملايات كلها بقماش طبي معقم لون واحد عشان ما يجيلهاش بقع.. وهنحبسها في الاوضة المضللمة عشان الضوء كمان بيزود الحساسية الجلدية!”
نعيمة (حماتي) بلعت ريقها بالعافية، وصوتها طلع مخنوق بس المرة دي من الخوف الحقيقي مش من التمثيل: “إيه… إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا بت أنتِ؟ مستشفى إيه وعزل إيه؟”
رديت عليها بنبرة كلها حنان مسموم: “سلامتك يا حبيبتي! أنتِ زيك زي أمي، وأنا مش هسمح إن جهلي يقتلك! الإسعاف على وش وصول، وقايلالهم يجيبوا معاهم نقالة ونربطك عليها عشان الحركة بتقلل الأكسجين في الدم مع الحساسية!”
قمت وقفت بلهفة مزيفة وطلعت أقدم حاجة من المطبخ.. جيت وجايبة معايا كاس ماية كبير وحاطة فيه معلقتين ملح كبار ومدوباهم. وقفت فوق رأسها وقولت بصوت آمر: “اشربي ده بسرعة يا طنط! مركز ملحي عشان يطهر الزور فوراً قبل ما الإسعاف يوصل ويبخجوا حلقة الرقبة بمشرط عشان يتنفسوا!”
نعيمة برقت عينيها على كاس الماية بملح، وبصت لسامح اللي كان واقف مذهول ومصدق كل كلمة قيلتها من كتر الجدية والرعب اللي رسمته على وشي.
حماتي نطت من على الكنبة فجأة زي الحصان! وقفت على حيلها بمنتهى الصحة والنطاطة، وطيرت كاس الماية من إيدي، وصرخت بصوت زي الفرقعة: “مشرط إيه ومحاليل إيه يا مجنونة أنتِ؟! أنتِ عايزة تموتيني؟!”
مسكت نفسي بالعافية وما ضحكتش، وبصيت لسامح وقلت بذهول: “بص يا سامح! المعجزة حصلت! الحساسية راحت أول ما جيبنا سيرة المستشفى والإسعاف!”




