عشق الغرام

عشق الغرام (3)

 

_أنا يمان.. يمان عبد الرحمن

حملقت غرام في يمان في دهشة، وأخذت تتأمله في صمت، وعلى وجهها علامة استفهامٍ عميقة، ترجمها فمها سريعًا، فسألته:

_يمان مين؟

تَنَهّدْ يمان تَنَهُّدًا عميقًا، وقال في هدوء:

_ممكن أأقابل والد حضرتك؟

فغمغمت مندهشة:

_في الوقت ده؟

ثم لاحظت آثار السَّفر التي تبدو جلية عليه، وقبل أن ينبس يمان ببنتِ شفة، انبعث صوت عبد السلام وهو يقول:

_مين يا غرام في الوقت ده؟

فالتفتت غرام إلى أبيها، وهزت منكبيها في حيرة، وقالت:

_واحد بيقول إن اسمه يمان عبد الرحمن!

فهتف عبد السلام متعجبًا:

_يمان عبد الرحمن؟!!

هنالك إشرأب يمان برأسه، وصاح:

_أنا يمان ابن أخت مختار العزيزي صديق حضرتك.

لانت ملامح عبد السلام وأشرقت، وهو يتقدم إليه وصافحه في حرارة، قائلًا:

_يا أهلًا يا أهلًا بريحة الحبايب، تعالى أدخل يا ولدي أتفضل.

وقاده إلى صَحْنِ الدَّار، بينما يمان يقول:

_الحقيقية إني جاي لحضرتك في موضوع مهم جدًا يخص خالي…

فلم يتمم عبارته بسبب مقاطعة عبد السلام له، وهو يهتف في حماس:

_مستعجل ليه يا ولدي تريح الأول من السفر وبعدين تقولي كل اللي جاي علشانه.

وحاول يمان أن يتكلم لكن محاولته ذهبت سدى، عندما ارتفع صوت الرجل يأمر ابنته:

_حضرلي أكل يا غرام بسرعة.

وفي حنق توجهت غرام للمطبخ، وقد كانت تتمنى الأستبقاء لمعرفة سر قدوم ذاك الشاب لوالدها.

لكنها أسترقت السمع وهو يقول لأبيها:

_حضرتك مفيش وقت انا مش عاوز أكل ولا استريح ولا حاجة.

ومجددًا قاطعه أبيها، قائلًا:

_مينفعش يا ولدي لازم تاكل حاجة و…

هنا صاح يمان ليكف عبد السلام من الاسترسال:

_مينفعش وخالي في المستشفى وطالب يشوفك ضروري.

وشحب وجه عبد السلام في شدة، واكتسى بصدمة هائلة، وهو يقول:

_إيه؟ مختار في المستشفى، ليه؟ إيه اللي حصل؟

همس يمان بصوتٍ هاديء يطمئنه:

_كالعادة جت له الأزمة مرة تانية، أنت عارف قلبه تعبان الفترة دي ومستحملش اللي حصل لغادة أختي.

فقطب عبد السلام جبينه، وتساءل في اهتمام:

_وإيه اللي حصل لأختك سبب لمختار تعب جامد؟

أشاح يمان بوجهه بعيدًا، وغمغم في ضيق:

_موضوع خاص.

“دا عريس ليَّ يا عبد السلام مش كدا؟”

ألقت بتلك العبارة والدة عبد السلام وهي تبرز فجأة من العدم، لتقف وهي مرتكزة على عصاها خلف ولدها في خجلٍ كأنما هي عروسٌ تزف للمرة الأولى.

وضحك عبد السلام في توتر، ونظر ليمان وهو يقول في خجل:

_دي أمي معلش وست كبيرة وعقلها فوت.

هز يمان رأسه في بساطة، وهمس بارتياح:

_لا، لا عادي ولا يهمك أنا مقدر.

هوت والدت عبد السلام على كتفه بالعصاة، وهي تأنبه في حدة:

_انا عقلي فوت يا عبد السلام؟ طب ماشي.

وشهقت شهقاتٍ متتالية، وهي تتجه لتجلس بجوار يمان، وتلصق جسدها في جسده، وأخذت تشكي إليه حالها:

_شوفت، شوفت بيعاملني إزاي؟ هنتجوز ونمشي إمتى؟

ازدرد يمان لعابه في قلق، وهو يبتعد بجسده عنها، بينما هي قد تشبثت بذراعه وألتصقت اكثر به، وتابعت:

_إوعى تكون جاي للبت الخادمة اللي جوة؟

فهز يمان رأسه سريعًا وهو لا يدرك من تلك الخادمة التي تتحدث عنها؟!

بينما ارتفع صوت عبد السلام، وهو يصرخ:

_تعالي خدي ستك يا غرام من هنا.

وأقبلت غرام ركضًا من الداخل، وحاولت بشتى الطرق أخذ جدتها، التي راحت تولول:

_أهي جت الخادمة اللي ابني سايبني معاها طول النهار تعذب فيَّ.

وكظم يمان ضحكته في صعوبة، بينما غرام تقول في ضجر:

_ يا تيتا عيب اللي بتعمليه ده، قومي تعالي معايا.

فرفعت جدتها العصاة ولوحت بها في وجهها، وهي تقول:

_أبعدي عني يا بت أنتِ بدل ما اضربك وافتح رأسك.

وأطرق عبد السلام رأسه في خجل، بينما نهض يمان مدافعًا عن الجدة، وهو يسحبها لتجلس بجانبه ويبعد العصاه لأسفل، قائلًا:

_خلاص خلاص متضربيش حد، تعالي اقعدي.

وتبسمت الجدة في استحياء، وأخرجت لسانها لغرام، قائلة:

_شوفي بيحبني إزاي؟

كتم يمان ضحكة كادت تفلت منه، ثم استأذن من عبد السلام، قائلًا:

_سيبها تقعد معانا، هي مش مضايقاني ولا حاجة…

لكن بتر عبارته صوت الجدة، وهي تقول بصوتٍ خفيض خجل:

_هنتجوز إمتى؟ عشان زهقت من القعدة في البيت ده!

وضرب عبد السلام جبهته بكفه في غلظة، وهو يكبح غضبه كلا يثور عليها، بينما والدته تسأل يمان الذي أولاها اهتمامه، قائلة:

_أنت شفتني فين وعجبتك؟! ولا أأقولك مش عايزة اعرف خلاص، قولي أنت ساكن فين؟

ظل يمان يساير الجدة في حديثها، حتى تجهز عبد السلام للسفر لرؤية صديقه…

ليلبي نداء الصداقة..

ذاك النداء الذي لا يلبيه إلا الصديق الوفي..

وقبل أن يذهبا، أخذَ ينصح غرام، قائلًا:

_مش هغيب كتير كلها كام يوم اطمن فيهم على عمك مختار وهرجع، خلي بالك من نفسك ومن جدتك، وهكلمك كل يوم اطمن عليكم.

وودعها وأنصرف هو ويمان الذي أبى أن يرتاح وخاله طريح فراش المرض.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *