ذهبت لتلد

وحمة صغيرة… على شكل هلال.
حاولت النهوض، والخوف يتصاعد داخلها بسرعة:
“ماذا هناك؟ ماذا حدث لطفلي؟!”
ابتلع الطبيب ريقه، وصوته بالكاد خرج:
“أين والد الطفل؟”
تجمّدت ملامحها:
“ليس هنا.”
“أحتاج أن أعرف اسمه.”
ارتفع صوتها، وقد بدأ الخوف يتحول إلى غضب:
“لماذا؟ أخبرني أولًا ماذا به!”
نظر إليها… نظرة ثقيلة بشيءٍ عميق… قديم…
ثم قال بهدوءٍ غريب:
“من فضلك… اسمه.”
ترددت للحظة.
راقبها… وكأنه يحاول قراءة الإجابة من عينيها قبل أن تنطق.
اقترب قليلًا…
وهمس:
“قولي لي… اسمه إيه؟”
ابتلعت ريقها…
ثم همست هي الأخرى… بالاسم.
وفي اللحظة التي سمعه فيها—
سقط الصمت على الغرفة.
أغلق الطبيب عينيه ببطء…
وانزلقت دمعة على خده.
أما ما قاله بعد ذلك…
فكان كفيلًا بأن يغيّر كل شيء.
الجزء الثاني..
تجمّد في مكانه اختفى اللون من وجهه.
ارتجفت يده قليلًا ثم حدث ما لم يتوقعه أحد امتلأت عيناه بالدموع.
قالت الممرضة بقلق
دكتور هل هناك مشكلة؟
لم يُجب لم يستطع كانت عيناه معلّقتين بوجه الطفل
كأنه يرى شيئًا يعرفه جيدًا.
ملامح الأنف انحناءة الشفاه.
وتحت الأذن اليسرى مباشرة
وحمة صغيرة على شكل هلال.
حاولت زينب أن تنهض، وقد بدأ الخوف يسيطر عليها
ماذا حدث؟! هل طفلي بخير؟!
ابتلع الطبيب ريقه بصعوبة
وكان واضحًا أن الكلمات أثقل من أن تُقال.
عندما تكلّم أخيرًا، خرج صوته بصعوبة وكأنه يحمل ثقل سنوات طويلة، وقال وهو ينظر مباشرة إلى زينب
أين والد الطفل؟
فتصلّبت ملامح زينب جاسم فورًا، وأجابت ببرود
ليس هنا.
سأل مرة أخرى بنبرة أكثر إصرارًا
أريد اسمه.
عندها انفجرت بحدة، وقد تحوّل خوفها إلى غضب واضح
ولماذا يهم ذلك؟ أخبرني ماذا يحدث لطفلي!
نظر إليها الدكتور سامي علي بعينين مثقلتين بشيء عميق شيء قديم لم يُنسَ، ثمفضلك أخبريني باسمه.
ترددت زينب لثوانٍ
قبل أن تنطق أخيرًا
حيدر علي.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة وكأن الزمن توقف فجأة.
أغمض الطبيب عينيه ببطء، وانزلقت دمعة على خده دون أن يحاول إخفاءها، ثم همس بصوت مكسور
حيدر علي هذا ابني.
لم يتحرك أحد.
حتى بكاء الطفل بدا وكأنه تراجع أمام وقع الكلمات.
شعرت زينب وكأن الهواء قد اختفى من حولها، وقالت بصوت يكاد لا يُسمع
هذا مستحيل.
لكن نظرة الطبيب كانت كفيلة بأن تسقط كل شك.
جلس ببطء، وكأن جسده لم يعد يحتمل ما أدركه، ثم رفع رأسه ونظر إليها مرة أخرى، وقال بصوت أثقل من السابق
لم أره منذ عامين ترك البيت بعد خلاف كبير بيننا، وقطع كل وسيلة تواصل ولم أكن أعلم أين ذهب
توفيت والدته قبل أشهر
أم حيدر، الحاجة أمينة، من وقتها أصبحت مكسورة القلب، تنتظر عودته حتى آخر لحظة.
كانت تضع طبقًا إضافيًا على المائدة كل يوم جمعة وكأنها تؤمن أنه قد يعود فجأة.
احتضنت زينب جاسم طفلها وهي تستمع وكان عالمها يتغيّر مع كل كلمة.
ثم بدأت تروي قصتها.
كيف تعرّفت على حيدر علي
كم كان هادئًا وجذابًا بطريقته الخاصة
وكيف أنه لم يتحدث يومًا عن ماضيه.
كيف بنى حياته على الصمت وأنصاف الحقيقة
وكيف، في اللحظة التي أصبحت فيها الأموراستمع الدكتور سامي علي بصمت
ثم نظر إلى الطفل مرة أخرى، وبدأت ملامحه تلين تدريجيًا.




