اعتاد عمي

نظرت إلى أمي، كانت ترتجف وهي تحاول رفع يدها المشلولة نحوي. عيناها كانتا ممتلئتين بذعر لم أره في حياتي.

همست:
— “من يكون إذًا؟”

بدأت تكتب ببطء شديد، حرفًا حرفًا، وكأن كل كلمة تنتزع من روحها.

“أخذك ليلة الحريق.”

شعرت بدوار جعل الأرض تميل تحت قدمي.

أخذني؟

كيف؟

ولماذا؟

كتبت مجددًا:

“كنتِ الشاهدة الوحيدة.”

في تلك اللحظة، تذكرت شيئًا دفينًا… ذكرى قديمة جدًا ظننتها حلمًا.

النار.

الدخان.

صرخات أطفال.

ورجل يحملني بين ذراعيه بينما كنت أبكي… وعلى معصمه ساعة فضية لامعة.

نفس الساعة التي يرتديها مازن دائمًا.

رجعت إلى القصر تلك الليلة وأنا أشعر أن الجدران تراقبني.

ولأول مرة… لم أخف منه.

بل خفت مما سأكتشفه.

دخلت مكتبه بعد منتصف الليل، وبحثت خلف اللوحات

حتى وجدت خزنة صغيرة مخفية. 

كانت مفتوحة.

كأنه يعلم أنني سأصل إليها.

في الداخل وجدت تسجيلات قديمة… وأوراق تبنٍ مزورة… وصورة لرجل أعرفه جيدًا.

أبي.

أو الرجل الذي عشت أعتقد أنه أبي.

لكن الصورة كانت مرفقة بتقرير وفاة يعود إلى ما قبل “ولادتي” بعامين.

كل شيء كان كذبًا.

كل شيء.

وفجأة سمعت صوته خلفي:

— “كنتِ ذكية أكثر مما توقعت.”

التفت ببطء.

كان واقفًا عند الباب.

هادئًا… كعادته.

لكن عينيه هذه المرة لم تكونا بشريتين.

اقترب خطوة وقال:
— “أمك أخطأت حين أبقتك حيّة.”

تراجعت وأنا أرتجف:
— “ماذا فعلتَ في دار النور؟”

ابتسم.

ابتسامة صغيرة مرعبة.

ثم قال:
— “الحريق لم يكن حادثًا.”

شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.

أكمل بصوت بارد:
— “كان هناك ملف داخل الدار… ملف يحتوي أسماء رجال كبار جدًا. سياسيين. قضاة. رجال أعمال. كانوا يشترون الأطفال.”
— “وعندما هددت مديرة الدار بفضحهم… صدر القرار بإحراق المكان.”

لم أستطع التنفس.

قال وهو ينظر

إلى ندبتي:
— “لكن المشكلة أنكِ نجوتِ.” 

رفعت يدي إلى عنقي دون وعي.

الهلال.

لم تكن مجرد ندبة.

 

لمحة نيوز

 

كانت علامة.

أكمل:
— “وُضعت لكِ تلك العلامة لتحديدك. كنتِ الطفلة المطلوبة تحديدًا.”

— “لماذا أنا؟”

صمت للحظة… ثم قال:
— “لأن والدك الحقيقي كان واحدًا منهم.”

شعرت بشيء داخلي ينكسر بالكامل.

ثم أخرج هاتفه ووضعه أمامي.

فيديو قديم.

طفلة صغيرة تبكي داخل غرفة مظلمة.

كنت أنا.

وسمعت صوتًا يقول:
— “إذا كبرت هذه الطفلة… اقتلوها.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *