حماتي زقتني حكايات روماني مكرم 2

## الجزء الثاني: زلزال في حارة السيوفي

مرت الساعات الأولى بعد ليلة الدمار وكأنها دهر كامل داخل جدران الشقة التي لم تعد ملكهم. مع دقات الثامنة صباحاً، لم يكن هناك صوت يعلو فوق صوت طرقات عنيفة ومتتالية على الباب الخشبي الخارجي.

عصام، الذي قضى ليلته ملقى على أرضية الصالة بملابس الخروج المجعدة وعينيه الحمراوين الغائرتين، انتفض من مكانه فزعاً. خلفه خرجت الحاجة فوزية برداء منزلي مهلهل، وجهها الذي كان يشع كبراً بالأمس بات باهتاً كالموتى.

فتح عصام الباب ليتفاجأ برجل يرتدي حلة رسمية صارمة، وبجانبه ضابط شرطة واثنين من أمناء الشرطة، وخلفهم يقف حارس العقار بنظرات انكسار وشماتة مواربة.

تحدث الرجل ذو الحلة الرسمية بنبرة حاسمة:

— “أستاذ عصام السيوفي؟ أنا الأستاذ رمزي، المستشار القانوني لشركة ‘النور للمقاولات والاستثمار’.. شريكتكم السابقة والمالكة الحالية للعقار والمحتويات. معانا صيغة تنفيذية من المحكمة بإخلاء الشقة فوراً وتسليمها خالية من الأشخاص.”

صرخت الحاجة فوزية وهي تدفع ابنها جانباً:

— “إخلاء إيه يا عمر افندي أنت؟! دي شقة ابني.. شقة عيلة السيوفي! أنت مش عارف بتتكلم مع مين؟”

وجه الضابط نظرة حادة للحاجة فوزية وقال بصوت جهوري:

— “يا حاجة الزمي حدودك ومتعطليش شغلنا. الورق رسمي ومختوم بختم النسر. قدامكم بالضبط نص ساعة تاخدوا هدومكم الشخصية، وأي حاجة تانية في الشقة من عفش وأجهزة محجوز عليها لصالح ديون الشركة الفاشلة.”

انحنى عصام، والطاووس الذي كان بداخله قد ذُبح تماماً، همس وصوته يرتجف:

— “يا فندم.. بس أمهلونا لأخر اليوم.. أروح فين بأمي في الشارع؟”

رد المستشار رمزي ببرود جاف:

— “المدام رضوى عبد الحميد أمهلتكم تلات سنين كاملين يا عصام بيه.. والوقت انتهى. نص ساعة.. والبوليس هيقفل الباب بالشمع الأحمر.”

## الهروب إلى القاع

في مشهد لم تدع الحارة أحداً يفوته، خرجت الحاجة فوزية وهي تحمل حقيبة قماشية قديمة تحوي بعض ملابسها، وخلفها عصام يجر قدميه حاملًا حقيبتين، بينما كان “الونش” بالأسفل قد انتهى بالفعل من رفع السيارة المرسيدس وتثبيتها تمهيداً لجرها إلى مخازن التحفظ.

جيران الأمس، الذين كانوا يتلقون نظرات التعالي من الحاجة فوزية، وقفوا في الشرفات وعلى ناصية الشارع يتهامسون. لم تجد فوزية وعصام ملجأً سوى شقة قديمة متهالكة في أطراف العشوائيات، كانت ملكاً لأخت فوزية المتوفاة، شقة برائحة الرطوبة والجدران المقشرة، لا تشبه في شيء قصر السيوفي الوهمي.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *