انا متجوزه من 12سنه وجوزى كل شهر بياخد منى ايجار البيت الى احنا قاعدين فيه بقالى 10سنين ادفع الايجار من تعبى وشقيا وكل سنه الايجار يذيد اقول لجوزى نشوف مكان تانى يقولى لا هنا افضل لغايه لم اكتشفت البيت اصلا بتاع جوزى بقاله 8سنين البيت مسجل باسم جوزى اشتره من 8سنين لم اخواته وزعو الورث لم جه اول الشهر وقال فين الايجار الراجل عاوز اجاره قولتله عاوز اقابل الراجل ده الايجار كتير البدايه صوت عقارب الساعة في صالة الشقة كان زي نبض منتظم بيخرم رأسي. الساعة كانت 11 بالليل، وأنا قاعدة على ترابيزة السفيرة، قدامي دفتر الحسابات القديم، الفواتير، والكروت اللي مدبوسة في بعضها. 12 سنة جواز... منهم 10 سنين كاملين وأنا بشيل نص الشيلة، أو بالأحرى شايلة الحمل كله على كتافي. لما اتجوزنا، "شريف" قالي: "يا نهى، إحنا بتبدأ حياتنا من الصفر، الشقة دي إيجار جديد، وأنا ظروفي على قدها في الشركة.. يد على يد تساعد." وما ترددتش. نزلت اشتغلت في حضانة، وبعدها فتحت مشروع مشغولات يدوية وصابون طبيعي من البيت، وكنت بصلص بالساعات، عيني تتصفى وضهري يتكسر عشان أجمع قرش على قرش. كل يوم 1 في الشهر، كان شريف يدخل عليّ بنفس الملامح المجهدة والمصنوعة بعناية، ويمد إيده: "هاتي نصيبك في الإيجار يا نهى، الراجل صاحب البيت بيتصل وبيزن، وإنتِ عارفة الراجل ده معندوش يما ارحميني، لو تأخرنا يوم واحد هيطردنا." والسنة اللي بعدها، يقولي: "الراجل زود الإيجار 10%.." والسنة اللي بعديها: "السوق غلي وصاحب الملك متمسك بالزيادة، تدفعي ولا نترمى في الشارع؟" لما كنت أقوله: "يا شريف، الإيجار قصم ضهرنا، إحنا بنرمي الفلوس في الأرض! تعال نشوف شقة أصغر، أو نطلع في مكان أبعد شوية ونجيب شقة قسط تملك لينا ولأولادنا"، كان ينفعل، ويتحول وشّه لكتلة من الغضب: "أنتِ بتفهمي أكتر مني؟ المكان هنا جنب شغلي وجنب مدارس العيال، وبعدين صاحب البيت ده راجل طيب وصابر علينا.. هنا أفضل وأبرك!" وكنت بسكت.. وأضغط على نفسي أكتر، وأشتغل بالليل والنهار عشان أدفع "الزيادة". لحد من أسبوع فات... كنت بنضف كراكيب الدولاب القديم في الصالة، بقلب في درف فوقانية ما حدش بيمسها من سنين. شريف كان في الشغل. وأنا بنزل شنطة جلد قديمة، وقع منها ملف أصفر مقفول بشرائط. فتحت الملف بفضول عادي.. افتكرتها أوراق السجل المدني أو شهادات ميلاد العيال. بس الورقة الأولى اللي طلعت في إيدي جمدت الدم في عروقي. عقد بيع نهائي... نهائي ومسجل في الشهر العقاري! تاريخ العقد: من 8 سنين فاتت! البائع: ورثة المرحوم عبد السلام (إخوات شريف). المشتري: شريف محمود... جوزي! قعدت على الأرض، الأرض كانت بتدور بيّ. الشقة اللي أنا بدفع إيجارها بقالي 10 سنين... الشقة اللي بقالي 8 سنين بطحن نفسي في الشغل عشان أسدد "زيادة الإيجار السنوية" لصاحب الملك الوهمي... طلعت ملك جوزي! شراها من إخواته لما وزعوا الورث من 8 سنين، بفلوس المكافأة اللي أخدها وشويشة تحويشة، وسجلها باسمه رسميًا! 8 سنين وهو بياخد مني كل شهر المبلغ ده بدم بارد! 8 سنين وهو بيثبتني ويمثل عليّ دور الزوج المظلوم اللي حارس العمارة بيضايقه عشان الإيجار! 8 سنين بيقبض مني إيجار شقته الملك، ويحوش فلوسي وفلوسه في حسابه، وأنا كتافي انحنت من التعب والوقفة! ما صرختش.. ما عيطتش. الدموع جفت في عيني واتتحولت لجمر. شلت الملف ورجعته مكانه بالظبط، وقفلت الشنطة. قررت أربط على قلبي بحبل من حديد وأستنى.. أستنى اللحظة المناسبة. واليوم.. جه أول الشهر. دخل شريف الشقة، قلع جزمته عند الباب، ورمى المفاتيح على الترابيزة. حط إيده في جيبه، وقرب مني وأنا قاعدة بنفس جمودي على السفيرة. طلع نبرة الصدمة والتمثيل المعتادة، وقال بصوت مغشوش فيه تمثيل الهم: #الكاتب_رومانى_مكرم_ "مساء الخير يا نهى.. جهزي نصيبك في الإيجار بسرعة عشان الراجل صاحب البيت واقف تحت العمارة وعاوز إيجاره فورًا، ويقول لو مدفعتوش النهاردة بالزيادة الجديدة هيعملنا مشكلة!" رفعت عيني فيه.. بصلته بثبات غريب، بصلت لوشه اللي حفظته على مدار 12 سنة، وشفت فيه لأول مرة غريب ما أعرفوش. سكت ثواني.. أخدت نفس عميق، وقولتله بنبرة هادية ومستفزة: "قوله ينزل.. أنا عاوزة أقابل الراجل ده.. الأيجار كتير!" صدمة غطت وش شريف لثواني، حواجبها اتعقدت وعينيه اتسعت ببلاهة مشتتة. حاول يلملم شتات نفسه بسرعة، والابتسامة المزيفة اللي اتعود يلبسها رجعت لوشه، بس المرة دي كانت مكسورة ومرتبكة. قرب مني خطوتين، وحط إيده على الترابيزة وهو بيميل عليا، وقال بصوت حاد فيه نبرة تحذير: "أنتِ اتجننتي يا نهى؟ تقابلي مين وتنزلي لمين؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ صاحب البيت راجل شديد ومبيحبش اللت والعجن في الكلام، وبعدين دي أصول وفيها عيب، الراجل يتعامل مع رجال زيّه.. هاتي الفلوس من غير كثرة كلام عشان الموقف ميكبرش تحت العمارة!" وقفت من على الكرسي ببطء شديد. نظراتي كانت مسمرة في عينيه، هدوئي كان يرعب، وهو كان يلمس الهدوء ده ويقلق منه. ربعت إيدي وقلتله بنبرة أبرد من التلج: "لا يا شريف، مش مجنونة. بس أنا بقالي 10 سنين بدفع وأنا ساكتة، وكل سنة تطلعلي بزيادة، وشقايا وتدبيري ووقفة رجلي طول النهار في الشغل بتروح في جيب 'الراجل الطيب' اللي مش راضي يرحمنا. طالما هو واقف تحت العمارة مستني الفلوس، يبقى من حقي أقف قصاده وأترجاه يخفض الإيجار شوية، أو على الأقل أشوف وش الإنسان اللي بياخد دم قلبي بقاله سنين!" وشه بدأ يقلب ألوان، التوتر ظهر على حركة صوابعه وهو بيلعب بمفاتيح العربية في جيبه، وقال بصوت واطي ومكتوم وهو بيبص ناحية باب الشقة كأن حد هيسمعنا: "تترجيه؟ أنتِ بتهزري؟ أنتِ عايزة تصغّريني قدام الراجل؟ عايزاه يقول عليّ مش عارف ألم مراتي ولا ممشي كلامي في بيتي؟ هاتي الفلوس يا نهى وما تعمليش شو وبهرجة ملهاش لازمة، أنا نازل أديهاله بنفسي." حطيت إيدي في وسطي وابتسمت ابتسامة سخرية وجع: "طب خلاص.. بلاش أنزل. خليه هو يطلع وياخد الفلوس من إيدي، أهو بالمرة أعمله كوباية شاي ونقوله ظروفنا، ولا هو صاحب أملاك معندوش وقت يتكلم مع السكان؟" صوته نزل لطبقة همس مرعوبة، بس مليانة غضب: "نهى! جرى لك إيه النهاردة؟ أنتِ بتستعبطي؟ هو حد بيدخل أصحاب الأملاك بيته في نص الليل؟ اخلصي وهاتي النسبة بتاعتك بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك!" هنا.. حطيت إيدي على الترابيزة وميلت عليه بنفس الطريقة اللي كان مايل بيها عليا من شوية، وقلت بصوت واطي جداً زي الفحيح: "التصرف اللي مش هيعجبني أكتر من إنك بتاخد مني إيجار ملكك بقالك 8 سنين يا شريف؟" الكلمة نزل على دماغه زي الصاعقة. جسمه اتخشب في لحظة. عينيه برقت للآخر، وشفايفه اتفتحت ومطلعتش حرف واحد. ألوان وشه كلها هربت، ودمه اتجمد كأنه اتتحول لتمثال من ثلج. السكوت ساد في الصالة.. السكوت كان ثقيل ومشرشر زي الموس. صوت عقارب الساعة رجع يقتحم الهدوء تاني (تك.. تك.. تك). بدأ يرجع خطوة لورا وهو بيبصلي بذهول، وحاول يبلع ريقه اللي جف تماماً، وقال بصوت متلجلج ومكسور: "أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ تهيؤاتك وصلت لإيه؟ أنتِ خرفتي ولا إيه يا نهى؟" مشيت ببطء ناحية الصالون، فتحت الشنطة اللي حطاها جنب الكنبة، وطلعت منها ورقة مصورة.. صورة طبق الأصل من العقد النهائي المسجل بالشهر العقاري. مشيت ناحيته ورميت الورقة على ترابيزة السفيرة بيني وبينه. الورقة نزل بفحيح هادي بس كان أثرها أشد من القنبلة. "دي مش تهيؤات يا ابن محمود.. ده عقد البيع النهائي للبيت ده، بتاريخ من 8 سنين، البائعين إخواتك، والمشتري شريف محمود.. جوزي اللي أكلت معاه ملح وعيش بقالي 12 سنة." بص للورقة على الترابيزة وكأنها أفعى سامة هتهجم عليه. إيده اترفعت ببطء ورعشة خفيفة كانت باينة في أطراف صوابعه وهو بيمسك الورقة. عينيه كانت بتقرأ البنود والأسماء بسرعة مرعوبة، وعرقه بدأ ينزل من قورته بالرغم من إن الجو مكنش حر. قعد على أقرب كرسي كأن حيله اتهد، العقد في إيده بيرتعش، ورفع رأسه يبصلي.. الملامح المصنوعة والتمثيلية اختفت تماماً، وحل مكانها وش تاني خالص.. وش شخص اتعرى تماماً وظهرت حقيقته. سكت شوية، وبعدين حاول يجمع شتات نفسه ويبني خط دفاع جديد. أخد نفس طويل وقال بصوت فيه محاولة بائسة للهجوم بدال الدفاع: "أنتِ فتشي في أوراقي؟ أنتِ بتفتحي درفي وحاجتي الخصوصية من ورايا؟ بقى أنتِ توصل بيكي الدناءة إنك تجسسي عليّ في بيتي؟" ضحكت.. ضحكة عالية وموجوعة خرجت من قلبي، ضحكة هزت الصالة كلها: "دناءة؟ بجد يا شريف؟ بتتكلم عن الدناءة؟ أنت بتاخد مني إيجار شقتك بقالك 8 سنين! بتخليني أقف على رجلي لحد ما دوالي رجلي اتنفخت من الوقفة في شغل المشغولات والصابون! بتخليني أوفر القرش من أكل عيالي ولبسي عشان أديهولك أول كل شهر وتقولي 'الراجل يطردنا'! 8 سنين تمثيل وخداع.. جاي دلوقتي تقولي بتفتشي من ورايا؟" وقف فجأة وضغط على العقد في إيده، وزعق بصوت جهوري عشان يداري على خيبته: "أيوه شقتها ملكي! وشريتها بعرقي وتحويشتي ومكافأة شغلي! إيه الجر\يمة في كده؟ إيه العيب إن راجل يؤمن مستقبله ومستقبل عياله؟" قربت منه وشاورت في وشه بصابعي: "الجري\مة مش إنك شريتها يا شريف! الجر\يمة إنك كذبت! الجر\يمة إنك خدعتني! الجري\مة إنك شريتها بفلوسي وفلوسك، وبقيت تقبض مني إيجار ملكك! بتشغّل زوجتك عندك بالظبط زي الأجيرة، وتاخد منها إيجار السكن اللي هي عايشة فيه معاك! أنت عارف ده اسمه إيه؟ ده اسمه سرقة بالنصب والاستغلال!" حاول يغير نبرته، هدي فجأة ونزل صوته للطريقة العاطفية اللي كان بيكسبني بيها زمان: "نهى.. افهميني الصح. أنا عملت كده عشاننا! الفلوس اللي كنت باخدها منك ومني كنت بحطها في حساب استثماري باسم العيال! أنا مكنتش بضيع الفلوس ولا بفسح بيها نفسي! أنا كنت خايف من الزمن، وكنت عارف إنك لو عرفتي إن الشقة ملكي مكنتيش هترضاي تدفعي ولا تجتهدي في شغلك وتكبري مشروعك!" بصلته بقرف مش قادرة أخفيه: "يا سلام! بتسرقني عشان مصلحتي؟ بتبتزني عاطفياً وتهددني بالشارع عشان أشتغل أكتر؟ أنت بنيت ملكك على كسرة ضهري وصحتي! الفلوس اللي في حسابك دي مش بتاعتك لوحدك.. ده نصها دم قلبي وشقايا." سكت وهو بيتنفّس بسرعة، وقام وقف قدامي، وش القناع الهادي وقع تماماً، وظهر وشه الحقيقي.. وش الأنانية والجشع: "أعلى ما في خيلك اركبيه يا نهى! الشقة مسجلة باسمي أنا بس! والعقد ده باسمي أنا بس! أنتِ مالكيش عندي ولا مليم، ولا ليكي حبة تراب في البيت ده! أنتِ كنتِ بتدفعي إيجار مقابل سكنك وأكلك وشربك ومأواكِ، وكل جنيه طلعتيه كان بمزاجك!" البرود اللي نزل عليا في اللحظة دي كان أغرب حاجة حسيتها في حياتي. الأمل الأخير اللي كان فاضل جوايا إنه يتعذر أو يتأسف أو يندم.. مات واتدفن في لحظتها. سحبت الورقة من إيده ببطء، وتنيتها وحطيتها في شنطتي. بصلتي باستخفاف وقال: "هتعملي إيه يعني؟ بترهبيني بالورقة؟ طلبي الطلاق؟ اطلبي.. وريني هتروحي فين بوالادك ومن غير قرش في جيبك، ومشرك اللي حيلتك مش هيفتحلك بيت!" ابتسمتله ابتسامة هادية جداً، ومشيت ناحية أوضة النوم، وقفت على الباب والتفتت بصلتله: "مين قالك إنها طلاق بس يا شريف؟ أنت فاكر إن اللعبة خلصت هنا؟ لا.. اللعبة يادوبك لسه تبدأ. الفواتير والدفاتر القديمة اللي تحت إيدي، مع كل تحويل بنكي وكل إيصال أنت كتبتهولي بخط إيدك طوال الـ 8 سنين اللي فاتوا كـ 'إثبات استلام إيجار'.. دي مش مجرد أوراق.. دي حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتك في المحاكم وفي شغلك وفي وسط إخواتك اللي أنت غشتهم في الورث كمان!" وشه اصفر تاني، والتحدي اللي كان في عينيه بدأ يتهز. كملت كلامي بثبات: "من بكرة.. مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده من شقايا. ومن بكرة.. هتكتشف إن 'نهى' اللي استحملت 12 سنة غفلة.. غير نهى اللي صحيت النهاردة!"