سافرت الخليج حكايات اماني السيد 2

رجليا مكنتش شايلاني وأنا بخطو ناحية البيت القديم. صوت القران الكريم صادر من المكبرات، والناس زحمة في الشارع، وأنا قلبي بيتنفض من الخوف إن أكون جيت متأخر. وسعت لنفسي وسط جموع الناحيبن والمريدين لحد ما دخلت صالة البيت.. هناك اتفاجأت بوالدي قاعد على سريره، منهك ووشه منور بنور متوهج، وحواليه أمي وفاطمة وأختي.
أول ما عينه جات عليا، ابتسم ابتسامة دافية ومد إيده المرتعشة ناحيتي. اتكفيت على ركبي قدامه، مسكت إيده وبستها بغزارة دموع ونحيب: “سامحني يا أبا.. سامحني واللّه العظيم اتعلمت الدرس وعرفت إن القرش الحرام مابيدومش وإن ابن الأصول ما يبيعش أصله.”
حط إيده التانية على رأسي، وقرأ Fatiha بصوت واني بس متزن، وقال: “سامحتك يا بني.. ربنا يغفرلك ويقبل توبتك، أنا شفت سعيك وعرفت إنك اتغيرت بجد، وده كان كل أملي قبل ما أقابل ربنا.”
التفت والدي لفاطمة اللي كانت واقفة أبعد خطوتين وعينيها مليانة دموع نبيلة، وقالها: “يا فاطمة.. أنتِ كنتِ بنتي اللي مخلفتهاش، صنتي عرضنا ورفعتِ رأسنا لما الدنيا اسودت، وأنا طالع من الدنيا ورااضي عنك كل الرضا.”
فاطمة انحنت وبست إيد والدي ورأسه، وقالت بصوت خاشع: “دعواتك ليا يا عمي.. أنت وأمي ليكم الفضل عليا بعد ربنا.”
بعد ساعات قليلة، فاضت روح والدي لبارئها في سكون وسلام تام. مرت أيام العزاء، ووقفت أتقبل العزاء مع أهل البلد كراجل صاحب بيت يعتمد عليه، صنت أهلي ووقفت جنب أمي وأختي، ووزعت كل ميراثي من والدي على أعمال الخير والمؤسسات التنموية صدقة جارية على روحه، وما احتفظتش لنفسي غير بمصنعي الصغير اللي بنيته بعرق جبيني بشرف.
في اليوم الأخير من العزاء، وبعد ما الناس مشيت، قعدت أنا وأمي وفاطمة في صالة البيت القديم. نورهان كانت توفت في المستشفى قبل أيام بعد ما اتلقت الرعاية الطبية الكاملة وماتت وهي مستريحة ومسامحة، وأنا بقيت إنسان جديد كلياً، راجل تنقل بين النارين واختار في النهاية طريق النور.
فاطمة قامت وقفت، ولبست الشال بتاعها عشان تتحرك مع زوجها كريم اللي كان مستنيها بعربايته في أول الشارع احتراماً لخصوصية العزاء. بصتلي فاطمة نظرة ألمست فيها لأول مرة من سنين أحاسيس من غير مرارة ولا وجع، نظرة تقدير حقيقي للراجل اللي أصبحت عليه.





