جنون أمي حكايات زهرة الربيع 3

مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الأغبر الذي انهار فيه السقف الزجاجي لعائلتنا. ستة أشهر وأنا أحاول ترميم ما يمكن ترميمه من أرواحنا المكسورة، لكن الجراح التي حُفرت في العظام على مدار خمسة عشر عاماً لا تندمل بقرار من النيابة ولا بصدور حكم قضائي.
البيت الذي طالما شهد طفولتنا، صار يسكنه صمت ثقيل. أمي “مديحة” عادت لتعيش معنا، لكنها لم تعد تلك المرأة الصافية الضحكة التي عرفتها قبل فاجعتنا. كانت تقضي معظم ساعات النهار جالسة بجوار الشباك، وتتطلع في الفراغ بنظرات غائرة، وكأن روحها بقيت معلقة بآلام الماضي. أما “مايا”، فكانت ترفض الخروج، وتهرب من الضوء، وتبكي في نومها بصراخ مكتوم كلما مر سائر في الطرقات.

كنت أنا العمود الأخير الذي يمسك هذا البيت المتداعي. ألقيت بفكرة الزواج جانباً، وطلبت من “زياد” بكل حزن وألم أن نؤجل كل شيء حتى أستعيد أختي وأمي من ظلمات الماضي. كان زياد رجلاً بنبل فريد، وقف بجانبي، يتكفل بالمتابعة مع المحامين والجلوس مع الأطباء النفسيين الذين بدأوا رحلة علاج طويلة مع مايا وأمي.

كان يفترض أن تكون القصة قد انتهت عند هذا الحد؛ المتهم خلف الأسوار ينتظر محاكمته النهائية، والضحايا يحاولون التعافي. لكن الأزمات لم تكن قد انتهت بعد.

في صباح يوم أربعاء كئيب، وأثناء جلوسي مع المحامي لاستكمال أوراق قضية “التزوير والاحتجاز القسري”، التفت إليّ المحامي بوجوم، وحط ملفاً أسود على الطاولة وقال بصوت خفيض:
“نسمة.. فيه تطور جديد في القضية. أبوكي عيّن طاقم محاماة كبير جداً، والظاهر إن عندهم خطة بديلة.”
شهقت بضيق وقلت: “خطة إيه؟ الدليل قاطع! الصور والشريط والتسجيلات وإفادة الأطباء في المستشفى كلها ضده!”
رد المحامي وهو يهز رأسه بقلة حيلة: “المشكلة مش في الأدلة الجنائية يا نسمة.. المحامون قدموا طعناً بطلب إعادة عرض أمك على لجنة ثلاثية من الطب الشرعي، وادعوا إن الأدلة تم الطعن في صحتها بسبب ظروفها الصحية السابقة. والأفظع من كده.. إنهم بيستغلوا تاريخ أمك الطبي المدون على مدار 15 سنة لقطع الطريق على شهادتها!”

حسيت بالدم بيهرب من وشي: “يعني إيه؟ يعني ممكن يخرج؟!”
“مش بس يخرج..” قالها المحامي بمرارة، “لو المحكمة اقتنعت بالطعن، ممكن الحكم يتخفف بشكل كبير، أو يتحول لقضية نزاع أسري. والأنكى من كده.. فيه أوراق اتعرفت بتثبت إن أبوكي نقل ملكية البيت والشركة وكل أصوله باسم حسابات وأشخاص تانيين قبل القبض عليه بأيام.. يعني حتى لو اتسجن، هو ناوي يرميكم في الشارع من غير مليم!”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *