أخويا كان بيحب مراته ١ زهرة الربيع

نزلت على السلم بخطوات بطيئة ومنتظمة زي الآلة، وخرجت من باب العمارة.. لا هددت ولا اشتكت ولا حاجة. الهدوء ده بالذات هو اللي رعبنا، لأننا كنا متوقعين تدخل تصرخ، تخبط علينا، تستنجد بأمي.. بس هي خرجت وسابت البيت كأنها ما صدقت، أو كأن العلبة دي كانت القشة اللي قطمت كل حاجة بينهم.
عدت ساعات، والشمس غربت، وأخويا لسه مفيش أثر ليه.. تليفونه مقفول تماماً. أمي راحت وجات في الصالة ألف مرة وهي بتفرك في إيدها وتقولي: “يا مري يا فضيحتي.. لو أخوكي عرف إن العلبة دي من تحت رأسك هيقتلك! هو إيه السر اللي في العلبة الصفرا دي يخلي راجل يطلق مراته في ثانية من غير ما يسألها حتى؟!”.
أنا كنت ساكتة، لساني مربوط.. السر ده أنا بس اللي كنت عارفة أول خيط فيه، بس ما كنتش متخيلة إن نتيجته هتبقى بالبشاعة دي. العلبة دي ما كانتش مجرد حاجة عادية، العلبة دي كان أخويا جابها من سنتين وقفلها بنفسه وحطها في مكان أمان، وشرط شرط واحد بس بينه وبينها.. شرط لو اتكسر، يبقى كل حاجة انتهت.
على الساعة واحدة بعد نص الليل، سمعنا خطوة أخويا تقيلة على السلم.. خطوة واحد سكران من الهم، أو واحد طالع جبل شايله فوق كتافه. فتح باب شقته، ودخل، ورزع الباب.
أمي ما قدرتش تصبر، مسكتني من إيدي وقالتلي: “تعالي ندخل نهديه ونشوف فيه إيه، مش هينفع نسيبه كده بدل ما يعمل في نفسه حاجة”. دخلنا وراه الشقة.. الشقة كانت ضلمة كحل، وريحة السجاير مالية المكان بشكل يخنق.
لقيناه قاعد على الأرض في الصالة، ضامم ركبه لراسه، وبيهتز بخفة زي العيل الصغير. أمي قربت منه براحة وقالت بصوت واطي: “يا بني.. يا حبيبي، اهدي.. قولنا إيه اللي حصل؟ طمن قلبنا، هي عملت إيه للدرجة دي عشان ترمي عليها اليمين؟”.
رفع رأسه لينا.. العيون اللي كانت دايماً بتشع حنية، بقت عبارة عن كتلة من الدم والشرار. بصلي أنا بالذات، بصلة حسيت فيها إن روحي بتتسحب مني، وكأنه شايف الجريمة جوه عيني.
فجأة، وقف على حيله، وجاب العلبة الصفرا من على الأرض — أتاري فرحة سابتها على الترابيزة وما خدتهاش معاها زي ما افتكرت، هي خدت كيس تاني! — ومسك العلبة بين إيديه وهو بيترعش، وقال بصوت حشرجي ومبشوح:
“العلبة دي.. العلبة دي أنا كنت دافن فيها عمري كله.. كنت حاطط فيها الأمانة الوحيدة اللي أخدتها على نفسي عشان أحميها، وهي حطتها في دولابنا وكأنها بتغفلني؟!”.
أمي بلعت ريقها بالعافية وقالتله: “أمانة إيه يا بني؟ هي العلبة دي فيها إيه اصلاً؟!”.
أخويا فتح العلبة قدامنا وهو بينهج.. ولما بصينا جوه العلبة، ركبنا خبطت في بعض أكتر، والدم اتجمد في عروقنا! اللي كان جوه العلبة ما كانش سحر ولا ورق، ولا مجوهرات ولا فلوس.. اللي كان جوه العلبة خلي أمي تحط إيدها على بقها وتصرخ بصوت مكتوم، وأنا حسيت إن الأرض بتلف بيا وبتسحبني للغياب عن الوعي.
أخويا بص للعلبة، وبعدين بصلي وصصر على أسنانه وقال بصوت يرعب الحجر: “العلبة دي فرحة عمرها ما فتحتها ولا كانت تعرف طريقها.. العلبة دي كانت في خزنتي في المحل.. مين اللي جابها هنا وحطها في دولابي يا أمي؟ مين اللي كان عايز يخرب بيتي؟!”.





