أمي اتدفنت بقلم صابرين محمد

يدفن بنته وهي عايشة ويكمل حياته عادي.
لكن في حاجة واحدة أعرفها.
سكت المكان كله.
أما أنا فكملت وأنا ببص في عينيه مباشرة
أمي ما سابتش وراها كلام.
أمي سابت ورق.
وسابت تسجيلات.
وسابت تواريخ.
وسابت توقيعات.
وسابت نسخ في أكتر من مكان.
وسابت الحقيقة كلها مكتوبة.
وحفظتها أكتر ما حفظت فلوسها.
وبعدين أخدت نفس عميق وقلت
وأهم حاجة إنها علمتني أعيش وأنا جعانة.
علمتني أستحمل الفقر.
وأستحمل التعب.
وأستحمل الوحدة.
لكن عمرها ما علمتني أخاف.
لا من التهديد.
ولا من الناس اللي فاكرة إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.
ساد الصمت في المكتب.
صمت تقيل.
لثواني محدش اتكلم فيها.
وفجأة الباب اتفتح مرة تانية.
كل العيون اتلفتت ناحية الباب.
ودخلت الممرضة اللي كنت كلمتها في التليفون.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كان معاها ست كبيرة في السن قاعدة على كرسي متحرك.
شعرها أبيض بالكامل.
ولبسها شيك وبسيط في نفس الوقت.
وفيها هيبة غريبة خلت كل اللي في المكتب يتجمدوا للحظة.
والله العظيم حتى عبدالرحمن نفسه اتغير وشه.
وسامح بطل يتكلم.
ونهلة سكتت.
أما عبدالرحمن فخرجت منه كلمة بالكاد اتسمعت
ستي…
رفعت الست عينيها ببطء.
وبصتلي.
وفي اللحظة دي حسيت إن قلبي اتقبض.
لأن عينيها كانوا شبه عيون أمي بشكل مخيف.
نفس النظرة. نفس الهدوء. نفس الحزن القديم.
فضلت باصة لي ثواني طويلة.
وبعدين قالت بصوت مرتعش
إنتِ هناء؟
ما رديتش. ما عرفتش أرد أصلًا. لأن الصدمة كانت أكبر من الكلام.
وفجأة لقيت الدموع بتلمع في عينيها.
وبعدين قالت أنا بهية المنشاوي أم مريم وجدتك.
والله العظيم حسيت إن الأوضة كلها بتميل بيا للحظة، واضطريت أمسك طرف الكرسي علشان أحافظ على توازني، لأن الست اللي قاعدة قدامي على الكرسي المتحرك ما كانتش مجرد ست كبيرة في السن ظهرت فجأة وسط كل الأسرار دي، دي كانت الست اللي اسمها مكتوب في الأوراق، والست اللي طول عمري ما سمعتش عنها حرف واحد، والست الغنية صاحبة القصور والأراضي والشركات، والست اللي كنت متخيلة طول الوقت إنها سمحت لبنتها تضيع وتتنسى وتموت لوحدها.
وقف الأستاذ شريف من مكانه وقال بهدوء
الحاجة بهية طلبت بنفسها إنها تكون موجودة النهارده.
في اللحظة دي فقد عبدالرحمن آخر جزء من هدوءه.
ولأول مرة من ساعة ما دخل المكتب شفت القناع يقع من على وشه بالكامل.
وقال بعصبية واضحة
حضرتك ما كانش المفروض تخرجي من القصر.
رفعت الحاجة بهية عينيها ناحيته.
وكان في نظرتها تعب سنين طويلة.
تعب ناس شافت أكتر مما قدرت تتحمله.
وقالت بصوت هادي لكنه حاد بشكل خلّى المكان كله يسكت
وأمك ما كانش المفروض تسرق عمر بنتي هي كمان.
لكن أهو…
عدّت سنين طويلة وأنا سايبة ده يحصل.
وقع الصمت على المكتب كله.
صمت تقيل.
صمت مليان بذكريات وأسرار وذنوب عمرها عشرات السنين.
وبعدين مدّت إيدها ناحيتي ببطء.
إيد مرتعشة من السن.
لكنها كانت ممدودة ليا.
أنا بصيت للإيد.
لكن ما اتحركتش.
ما قدرتش. لأن قلبي كان مليان أسئلة أكتر من أي حاجة تانية.
فضلت مكاني. فأنزلت إيدها بهدوء.
وقالت وهي باصة لي مباشرة أنا اللي ساعدت مريم تهرب. أنا اللي طلعتها من البيت. وأنا اللي دبرتلها الاسم الجديد والمكان اللي تبدأ فيه حياتها من أول وجديد.
سكتت لحظة. وبعدين كملت بصوت اتكسر في آخر الكلام
لكنني كنت جبانة. جبانة أكتر مما تتخيلي. سمحت للعيلة تمحيها من حياتها علشان ما نخسرش كل حاجة. وسمحت لهم يدفنوها على الورق وهي لسه عايشة.
ونزلت دمعة من عينها وهي بتكمل كنت ببعتلها فلوس كل سنة.
سنين طويلة. وأحاول أعوض أي حاجة قدرت عليها. لكن بنتي كانت ترفض تصرفها. كانت ترفض تلمسها وكانت بتقولي نفس الجملة كل مرة.
بلعت





