جوزي قالي حكايات بسمة ١

انكمش وجه طارق وزالت الابتسامة المصنوعة من على شفتيه في لحظة واحدة، وكأن الأرض انخسفت به. كانت الورقة الصغيرة ترفرف بين أصابعه المرتعشة، والاسم المكتوب عليها بخط يدي اللامبالي لم يكن مجرد اسم.. كان صاعقة ضربت البيت كله في مقتل.
«منين جبتِ الاسم ده يا نهى؟».. خرجت الكلمات من حنجرته بحشرجة خائفة، وهو يتراجع خطوة للوراء وكأنه يرى أمامه شبحاً، لا زوجته التي هضم حقها لخمس سنوات.
لم أصرخ، ولم أستعرض غضبي. التزمت الهدوء المريب الذي يسبق العواصف الساحقة، وبصيت في عينيه ببرود تام وقلت له:
«ده عريس بنت هدى اللي جاي بكرة الصبح.. الاسم ده أنت عارفه كويس أوي يا طارق، وعارف إن وجوده في البيت ده معناه إن في جناية بتترتب من ورا ضهرك، وإن أمك وأختك اللي بتعتبرهم خط أحمر، بايعينك ومستغفلينك لحساب شخص أنت بنفسك قطعت عيشه وطردته من حياتك من سنتين!»
سقطت الورقة من إيده، وجرى على باب الشقة ونزل السلم في قفزات مجنونة وهو بيصرخ باسم أخته وحماتي. الصوت هز العمارة كلها، وأنا مشيت وراه ببطء شديد وبخطوات واثقة، حاملة دوا أولادي في إيدي، ومستعدة للمشهد الأخير من التمثيلية الرخيصة دي.
فتح طارق باب شقة هدى بضربة رجل واحدة هزت الحوائط. كانت حماتي وقاعدين بيتسامروا وبيخططوا للغد بكل أريحية. خضتهم الفجائية خلت هدى تقف مرعوبة، وحماتي تحط إيدها على قلبها وتصعق:
«في إيه يا طارق؟! دخلتك دي دخلة مجانين! طالع زاحف من شقتك كدة ليه؟!»
طرح طارق السؤال اللي كان خايف حتى ينطقه:
«منير؟! منير العريس اللي جاي بكرة لبنتك يا هدى؟! منير اللي نصب عليا في شركتي وكان حاطط عينه على شرفنا ومسحنا بيه أرض الشارع؟ جايين تجوزوه لبنتكم من ورايا، وتستغفلوني أنا ومراتي؟!»
اتبدلت ملامح هدى في ثانية من الاندهاش للذعر، وبصت ناحيتي وأنا واقفة على باب الشقة بمظهر ثابت، وعرفت في لحظتها إن المكالمة والرسالة السرية اللي استدرجتها بيها كانت الفخ اللي وقعت فيه. حماتي حاولت ترقع الموقف وبدأت تصوت وتضرب على صدرها:
«جرى إيه يا طارق! أنت تصدق كلام البت دي؟! دي جاية تولع في البيت وتعمل فتنة بينك وبين أختك! العريس اسمه أحمد ومجرد تشابه أسماء!»
هنا خرجت عن صمتي، وطلعت تلفوني وفتحت التسجيل الصوتي اللي سجلته لهدى بالصدفة لما كنت واقفة على السلم، وضغطت على زر التشغيل. الصوت كان واضح ونقي وهو بيردد على لسان حماتي: (نهى لو شافت العريس أو عرفت هو مين، الدنيا هتتقلب فوق دماغنا.. وطارق لو دري هيsections البيت!)
الهدوء ساد المكان لدقيقة كاملة، كان صوت أنفاس طارق المتلاحقة هو الشيء الوحيد المسموع. كبرياءه كراجل، وثقته الأعمى في أهله، وحقيقتهم اللي ظهرت كمرآة مكسورة.. كل ده انهار في لحظة واحدة قدام عينيه.
التفت طارق لهدى وهو بيجيبها من شعرها من كتر الغضب، والصراخ ملى الشقة، وحماتي بتبكي وتحاول تحميه منها وهي بتقول:
«كان هيستر البنت! كان بيدفع مهر كبير ومؤخر ما يحلمش بيه حد! أنت فاكر نفسك هتقدر تجهز بنت أختك يا طارق وأنت حيلتك إيه؟! كنا لازم نخبى عليك لحد ما نحطك قدام الأمر الواقع!»
تراجعت خطوة للوراء، وبصيت للمشهد من بعيد.. هدى اللي كانت بتعمل فيها القديسة المظلومة بقت بتترجى أخوها، وحماتي اللي كانت بتملي شروطها على الكل بقت بتتوسل عشان الموقف ما يتطورش للبوليس.
لكن الصدمة الأكبر ما كانتش هنا..
بص لي طارق بعيون مكسورة، وقال بصوت مبحوح:
«سامحيني يا نهى.. أنا ظلمتك.. طلعتِ أنتِ الوحيدة اللي صايشة عليا وعلى بيتي، وهم بيبعوني عشان قرشين!»
ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت له بوضوح هز أركان الشقة:
«أنا ما كشفتهمش عشان أرقّع لك خيبتك يا طارق، ولا عشان تنقذ أختك.. أنا كشفتهم عشان أثبت لك إن السكوت اللي سكتُه خمس سنين كان بمزاجي مش بضعفي. واليوم اللي تقولي فيه إني بتأنعر أو بفتعل حجج عشان ولادي مرضى، ده اليوم اللي تقف فيه مسيرتي معاك.»
سحبت إيد طارق اللي كانت بتترعش، ورحت ناحية الباب، وقبل ما أخرج التفت لهدى وحماتي وقلت لهم:
«العريس مش هييجي بكرة، لأن المباحث عندها علم بوجود نصاب في المنطقة مستهدف العائلات.. أنا بلغت عن مكان وجوده من ساعة ما عرفت الاسم!»
خرجت وسبتهم في حالة هيستيرية، وطارق واقف مش فاهم هل يلحق أخته اللي انكسرت، ولا يلحق مراته اللي قررت تفتح باب الشقة وتجمع هدومها وهدوم عيالها في شنطة واحدة!
ولما دخل طارق الورايا الشقة وهو بيتحسس طريقه وبيبكي وبيعرق، وجد شنط السفر محطوطة عند الباب، وأنا شايلة ولادي الاثنين بين إيدي ومستعدة للخروج.
وقف قدام الباب وجسمه بيكتنف الارتجاف:
«هتمشي يا نهى؟ بعد ما أنقذتيني وأنقذتِ شرف البيت ده؟»
رديت عليه بثبات أخير:
«أنا أنقذت نفسي وعيالي من بيئة عايشة على الزيف والاستغلال.. أنت اخترت تصدقهم خمس سنين، وأنا اخترت أصدق نفسي النهاردة. ولو عايزني أرجع.. البيت ده لازم يتغير بأكمله، وأول شرط.. إن محدش فيهم يلمح خيال عيالي تاني!»
وقف طارق مش قادر يأخد قرار، وفي اللحظة دي.. ترن الجرس بصوت حاد ومزعج، وكان على الباب شخص ما حدش فينا كان يتوقع وجوده في الوقت ده بالذات!
فتحتُ الباب ببرود وثبات، ليقف على العتبة رجل بأناقة مفرطة وملامح نحاسية أعرفها جيدًا، وخلفه اثنان من رجال الشرطة بالزي المدني. كان هو «منير» بنفسه.. النصاب الذي سلب طارق تحويشة عمره من سنتين، وقدم فيه طارق وقتها عشرات البلاغات التي حُفظت لعدم كفاية الأدلة!
انفصلت الشفاه عن بعضها من الصدمة، وتراجع طارق خطوة للوراء وهو يضع يده في جيبه ويصرخ بنبرة مجنونة:
«منير؟! أنت ليك عين تجيلحد باب بيتي يا مجرم يا واطي؟! جاي تاخد بنت أختي بعد ما خربت بيتي؟!»
تقدم أحد ضباط الشرطة بلهجة حازمة وقاطعه قائلاً:
«هدّي نفسك يا أستاذ طارق.. الأستاذ منير مش جاي يطلب إيد بنت أختك، ولا جاي يتزاور.. الأستاذ جاي مقبوض عليه، وإحنا جايين ننفذ قرار ضبط وإحضار وتفتيش بناءً على البلاغ الصريح اللي أتقدمت بيه مدام نهى من ساعة زمن!»
التفت طارق لي بنظرات ذهول لا تُوصف، وكأن العقل لم يعد يستوعب حجم المخطط. في تلك اللحظة، خرجت هدى وحماتي من الشقة السفلى على صوت الضجة، ولما رأت هدى «منير» وهو مقيد الأغلال في يديه، صرخت صرخة شقت سكون العمارة وأغمي عليها على الدرج!
أخرج الضابط ورقة رسمية وقرأ بثبات:
«البلاغ المقدم من السيدة نهى مدعوم بتسجيلات صوتية ومستندات بتثبت إن المدعو منير كان على تواصل مستمر مع السيدة هدى والسيدة والادتكم، وإن في مبالغ مالية ضخمة أتحولت لحساباتهم منه خلال السنة الأخيرة.. مبالغ كانت غسيل أموال ومقدم لاتفاقات غير قانونية للتستر عليه وتهريبه برة البلد عن طريق مصاهرة عيلتكم!»
كانت المفاجأة كالصاعقة التي ما تبقى من كبرياء طارق. السيدة البارعة في لعب دور الضحية، والحماة التي كانت تتغنى بعفة أختها وبنت أصولها، كانتا شريكتين في النصب على طارق نفسه! هدى لم تكن تضحي من أجل العائلة، بل كانت تقبض ثمن سكوتها وتسهيل دخول النصاب إلى البيت مجددًا تحت مسمى «عريس للبنت»، لاستغلال سجل طارق التجاري القديم في تغطية عمليات جديدة!
انهارت حماتي على الأرض وهي تبكي بحرقة وتتوسل إليّ:
«حرام عليكي يا نهى! فضحتينًا وجرستي ابن عمك ورا الشمس! أختك هدى كانت فاكرة إنه تاب وعايز يستقر ويكفر عن ذنبه! أرجوكي اسحبي البلاغ يا بنتي، البيت ده هيروح في داهية!»
نزلتُ لمستواها على الدرج، وبصيت في عينيها بنظرة حادة خالصة من أي رحمة قديمة:
«خمس سنين وأنا حمارة شغل في البيت ده يا حماتي.. خمس سنين بتستغلوا صحتي ووقفتي في المطبخ ومرض ولادي عشان هدى ترتاح وتدبر مصايبها. أختك اللي كنتِ بتفضليها عليا وبتقولي لي كبري عقلك دي، هي اللي باعت ابنك وطعنته في ظهره عشان شوية فلوس متوسخة! والنهاردة، كل واحد بياخد حسابه بالعدل.»
وقف طارق مذهولاً، ينظر إلى أمه المنهارة، وإلى أخته الملقاة على الأرض، وإلى الرجل الذي دمر حياته المادية وهو يُساق للأصفاد. التفت إليّ وعيونه ملأى بالدموع والرجاء:
«نهى.. أنا آسف.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا كنت أعمى.. كنت بظلمك وبقسي عليكي عشان أربيهم وأحميهم، وطلعوا هما اللي بيبحوني.. أرجوكي متسبينيش في اللحظة دي.. الشنط دي حطيها جوة، أنا هعمل كل اللي أنتي عايزاه.. هقطع علاقتي بيهم، وهكتب لك الشقة باسمك، بس متسبنيش لوحدي في المزيبلة دي!»
مسكت إيد ولادي الاثنين بقوة، ورفعت رأسي فوق، وقلت له بنبرة صارمة حسمت كل شيء:
«التنازلات اللي كنت بقدمها زمان يا طارق كانت عشان بحبك وبشتري بيتي.. لكن لما توصل إنك تزعق لي وتهينني قدام ولادي المرضى عشان تحمي سر وسخ زيهم، تبقي خسرتني للأبد. الشقة دي مش تلزمني، والفلوس اللي اتسرقت منك أنت اللي تسعى ترجعها.. أنا هسيب البيت ده النهاردة، ومش هتردد خطوة واحدة لورا.»
حاول طارق يمسك إيدي وهو بيبكي بكاء هيستيري، يسألني بحشرجة:
«هتروحي فين بالعيال في وقت زي ده يا نهى؟! هتهدّي كل حاجة في لحظة؟!»
فتحت باب الشقة الخارجي، وخرجت للهواء النقي بعد خمس سنين من الخنق والتمثيل، والتفت له قبل ما أنزل السلم وقلت له بكلمات أخيرة هزت وجدانه:
«هروح المكان اللي كان المفروض أكون فيه من زمان.. المكان اللي فيه ناس بتعرف قيمتي وما بتخلينيش جارية لخايبين. والكرامة اللي اتدست عليها خمس سنين، النهاردة بس رجعت لي كامِلة.. وإذا كنت فاكر إن دي نهاية الحكاية يا طارق.. تبقى لسة ما تعرفش نهى الحقيقية تقبل بإيه وما تقبلش بإيه!»
نزلت السلم بخطوات ثابته وواثقة، وورايا صوت صراخ هدى وحماتي ونحيب طارق وهو بينادي باسمي، وأنا مساكة إيد ولادي وبمشي في الشارع ونسمة الهواء الباردة بتخبط في وشي.. لكن مع كل خطوة، كان في صوت هاتف يرن في جبي برقم مجهول.. ولما فتحت الخط، سمعت صوت شخص غير متوقع تمامًا بيقولي بثقة:
«عملتِ الصح يا نهى.. ودلوقتي جه الدور على الخطوة الثانية اللي اتفقنا عليها!»

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *