جوزي قالي حكايات بسمة ٢

توقف حركة الشارع من حولي لحظة، وضغطت على التلفون وأنا باسمع الصوت اللي غيّر مجرى حياتي كلها في ثوانٍ. الصوت كان للعميد «رفعت»، رئيس مباحث الأموال العامة والمفتش السري اللي تواصلت معاه من أسبوعين بس، لما بدأت ألاحظ حركة الفلوس المريبة وغياب هدى المفاجئ بشنط ثقيلة من الشقة!
«نهى.. ضربة معلم.».. قالها العميد رفعت بنبرة واثقة وهادية عبر التلفون، وكمل: «منير كان فاكر إنه بأوراق الحصانة المزورة والاسم المستعار هيقدر يهرب برة البلد بكرة الصبح، بس التسجيل الصوتي اللي بعتيهولي من شوية، مع كشف الحسابات اللي صورافيه من شنطة هدى الأسبوع اللي فات، حسموا القضية تمامًا. أفراد القوة دلوقتي في طريقهم للشقة التانية اللي طارق مايعرفش عنها حاجة.. الشقة اللي كانت هدى وحماتك مأجرينها باسم مستعار عشان يحطوا فيها الألماس والذهب اللي اشتروه من فلوس النصب!»
ثلج نزل على صدري، مش صدمة، لكن ذهول من مدى الخسة والغل اللي كان عايش معايا تحت سقف واحد!
قلت بصوت واطي وثابت: «يعني طارق ماكانش مجرد مغفل يا فندم؟ طارق كان المظلة اللي بيغطوا بيها على الجريمة الكبيرة؟»
رد العميد رفعت: «بالظبط يا نهى. طارق كان بالنسبة لهم الكارت المحروق.. النصاب كان مقنعهم إن طارق لو دخل السجن أو لبس القضايا المالية دي، هما هيطلعوا برداء الضحايا وياخدوا التعويضات والفلوس كلها ويطلعوا بيها على تركيا! هدى كانت مجهزة أوراق سفر ليها ولابنها ولماما وللبنت، والتذاكر كانت محجوزة لمعاد بكرة الساعة 8 صباحًا.. يعني بعد الرؤية المزيفة بثلاث ساعات بس! كانوا هيسيبوا طارق لقمة سائغة للديّانة وللشرطة، ويكتبوا نهايته وهو مش فاهم حاجة!»
قفلت الخط، وبصيت لعيالي اللي كانوا ماسكين في إيدي بطفولة وبراءة، مش فاهمين ليه أمهُم وافقة في الشارع بشنط السفر في نص الليل، وليه باب العمارة طالع منه صوت ونحيب يهز الحوائط.
وفجأة.. سمعت صوت خطوات متسارعة ولهثة مجنونة نازلة على السلم.
كان طارق!
طالع يجري في الشارع حافي القدمين، قميصه ممزق، وعيونه حمراء كأنها جمر . مسكني من كتفي بانهيار وهو بيترجاني وبيبكي زي الأطفال:
«نهى! ارجعي معايا يا نهى! الشرطة دخلت شقة هدى تحت وبيفتشوا كل شبر! لقوا خزنة سريّة ورا الدولاب فيها ملايين وأوراق سفر باسم أختي وأمي وأبنائهم بس! اسمي مش موجود يا نهى! اسمي مش مكتوب في أي ورقة سفر! هما كانوا هيهربوا ويسيبوني أتشبس وأتسجن بدالهم؟! قوليلى إن ده كابوس يا نهى! قوليلى إن أمي اللي كبرتني وأختي اللي شيلتها على كتافي ما يعملوش فيا كدة!»
سحبت كتفي من إيده بقوة وخطوت خطوة لورا، وبصيت له بنظرة جردته من كل ذرة كبرياء زادت عنده خلال الخمس سنين اللي فاتوا:
«ده مش كابوس يا طارق.. دي الحقيقة اللي أنت اخترت تغمض عينك عنها خمس سنين! الحقيقة اللي كنت بتخليني أدفع ثمنها من صحتي وكرامتي ونفسيتي! كم مرة جيت لك وأنا بدموعي أقولك أختك بتهينني وبتستغلني، وكنت بتقولي: (دي أختنا الكبيرة وبنت أصول، وكبري عقلك يا نهى إنتِ معندكيش أسباب ترفضي عشانها)؟! كم مرة جيت أقولك أمك بتعاملني كأني خدامة في البيت، وكنت بتزعق لي وتتهمني بإني بعكّر صفو العيلة؟!»
طارق وقع على ركبتيه في الشارع، والدموع نازلة تغرق الشارع، وبيضرب على راسه بإيديه الاثنين:
«كنت غبي! كنت أعمى! وحياة ولادنا أرجوكي ما تمشيش.. أنا ماليش حد غيرك دلوقتي! أمي وأختي المباحث بتاخدهم في عربية البوليس قدام المنطقة كلها! الشارع كله واقف يتفرج علينا! هتسيبيني لوحدي أواجه الفضيحة دي؟!»
في اللحظة دي بالذات، خرجت عربيات الشرطة من الشارع السفلي، وسيرينات النجدة كانت بتصرخ بتدوير حاد. شفت من زجاج العربية حماتي وهدى وهما مقبوض عليهم، ووجوههم شاحبة زي الأموات، وحوليهم جيران المنطقة كلهم واقفين على البلكونات وفي شوارع الحارة بيتهامسوا وبيشاوروا عليهم بذهول. القديسة المظلومة وبنت الأصول بقى ينقادوا بالحديد في إيديهم أمام الكل!
قربت من طارق وهو مرمي على الأرض، ووطيت عليه وقلت له بصوت حاد يخرق العظم:
«الفضيحة دي أنت اللي صنعتها بخوفك وضعفك وطاعتك الأعمى للباطل يا طارق. أنا حميت ولادي وحميت نفسي، وأنت اللي اخترت تكون الكبش المذبوح! الشنط دي مش راجعة البيت ده تاني، ولادي هيتربوا بعيد عن البيئة المسمومة دي.. وأنت، لو فاضل فيك عرق راجل، انزل فُق لنفسك وشوف ديونك والقضايا اللي لبسوهالك قبل ما يجي الدور عليك وتقضى باقي عمرك في السجن بتدفع ثمن طيبتك العبثية!»
وقف طارق وهو بيترعش، وحاول يمسك إيد ابننا الصغير، لكن الطفل انكمش ورجع ورا ضهري وهو خايف من منظر أبوه الهستيري.
المنظر ده كان المسمار الأخير في نعال علاقته بينا. طارق حس إنه اتجرد من كل حاجة في ليلة واحدة: مراته اللي كانت سنده الصامت سابته، وأهله اللي كان بيبديُهم على روحه خانوه وبايعينه، وكرامته بقت على كل لسان في الشارع!
رفعت إيدي ووقفت عربية تكسي، وحطيت الشنط في الشنطة الوراانية، وركّبت ولادي وقعدت جنبهم.
قبل ما السواق يتحرك، طارق مسك شباك العربية وبص لي بنظرة رجاء أخيرة وقال بصوت مبحوح:
«هتروحي فين يا نهى؟ شقة أهلك مقفولة من يوم وفاة أباكي.. هتروحي فين بالعيال في نص الليل؟!»
ابتسمت ابتسامة غموض، وطلعت مفتاح ذهبي صغير من شنطتي ووريتهوله من زجاج الشباك وقلت له:
«الشقة دي مش شقة أهلي يا طارق.. دي الشقة اللي اشتريتها من شغلي الأونلاين اللي كنت بتقول عليه (تسلية ووجع دماغ) طوال الثلاث سنين اللي فاتوا! الشقة اللي أمنت بيها مستقبلي ومستقبل عيالي بعيد عن خيرك وخير أهلك! أنا ماكنتش صابرة عليك عشان محتاجاك.. أنا كنت صابرة لحد ما أقف على رجلي صح.. والنهاردة بس، أنا وقفت!»



