جوزي قالي حكايات بسمة ٢

شاورِت للسواق يتحرك، والتكسي مشي وترك طارق واقف في وسط الشارع يصرخ باسمي والصوت يبتعد ويضيع مع صوت السيرينات..
وصلت شقتي الجديدة، شقة دافية، هادية، ونظيفة من أي نفاق. نيمت ولادي في أسرّتهم، وغطيتهم بقلب مطمن ولأول مرة من خمس سنين، تنفست هواء نقي ميهوش طعم الظلم.
لكن وقبل ما الفجر يدن، وبينما كنت قاعدة بشرب كوباية شاي وببص من الشباك على أضواء المدينة، تلفوني رن تاني..
وكان الرقم المادي المرة مش للشرطة، ولا لطارق..
كان رقم محامي عائلة النصاب «منير»، واللي قال لي جملة واحدة خلت الدم يهرب من عروقي من جديد:
«مدام نهى.. أنتِ فاكرة إنك قفلتي اللعبة بإنك سلمتي منير وهدى؟ تبقى غلطانة أوي.. الأوراق اللي أنتِ سلمتيها للنيابة فيها توقيعك أنتِ شخصياً على بصمة ضامن للعمليات الأخيرة من غير ما تحسي!»

انسحب الهواء من رئتي لثوانٍ معدودة، واستقرت الجملة في أذني كأنها طلقة رصاص غادرة. التوقيع؟ بصمة ضامن؟!
ساد الصمت على الخط، ولم أسمع سوى صوت أنفاس المحامي الخبيثة وهي تتنفس بثقة عبر الهاتف، متوقعاً أن يسقط التلفون من يدي، أو أن أبدأ بالصراخ والتوسل كما تفعل النساء في موقف كهذا.
لكن المحامي لم يكن يعلم مع من يتحدث. نهى التي خرجت من ذلك البيت الليلة لم تكن نفس المرأة التي دخلته قبل خمس سنوات.
رددت ببرود صلب أربكه على الناحية الأخرى:
«خلصت كلامك يا أستاذ؟ ولا فاضل تهديت أونطة تاني حافظه من قضايا الابتزاز الرخيصة دي؟»
سكت المحامي لحظة، ثم قال بنبرة محاولة للسيطرة:
«أونطة؟! مدام نهى، أنا بتكلم بالقانون! في ورقة ضمان مالي بقيمة أربعة مليون جنيه بتبصم عليها “نهى محمود”، والورقة دي موثقة بتاريخ الشهر اللي فات، وقت ما كنتِ بتمضي على أوراق استلام شحنة البضائع اللي جابتهالك هدى لبيتك وقالتلك دي (هدايا ومستلزمات للمطبخ)! بصمتك المعتمدة موجودة على أصل الورقة يا مدام، ولو البلاغ ده ما اتسحبش خلال أربع وعشرين ساعة، الورقة دي هتوصل للنيابة صبحة بكرة، وهتكوني المتهمة الأولى بالاشتراك في التزوير والنصب، والمرة دي القانون مش هيحميكي عشان إنتِ اللي بلغتي!»
قفلت الخط في وجهه فوراً بدون أن أمنحه شرف الرد.
جلست على الكرسي وأنا أتنفس ببطء. تذكرت ذلك اليوم بوضوح شديد.. منذ شهر تقريباً، عندما جاءت هدى إلى شقتي وهي تحمل أوراقاً كثيرة ومعها صندوق كبير، وادعت أنه طرد خاص بمستلزمات منزلية وأشياء للأطفال، وطلبت مني التوقيع والبصمة على استلام الشحنة لأن «إيدها وجعاها» ولأن الرجل يستعجلها! يومها استغلت طيبتي وحسني نيتي، واستغلت شغلي مع الأطفال ومرضهم لتمرير ورقة مطوية بين الأوراق!
قمت من مكاني بثبات، ونظرت إلى أطفالي النائمين في الشباك. لن أسمح لهؤلاء الأوباش بتهديد مستقبلي أو اللعب بأمني بعد كل ما حققته.
فتحت هاتف وأرسلت رسالة مباشرة للعميد رفعت، وشرحت له المكالمة بالتفصيل الملل.
لم تمر عشر دقائق حتى اتصل بي العميد رفعت بنفسه، وكان صوته يحمل مزيجاً من الحزم والتقدير:
«نهى.. كويس إنك ما اتوترتيش. محامي منير بيلعب بآخره، هو فاكر إنه بالورقة دي هيضغط عليكِ عشان تسحبي البلاغ وتسقطي التهمة عن منير وهدى. لكن هما نسوا حاجة واحدة مهمة أوي!»
قلت بلهفة: «إيه هي يا فندم؟»
رد العميد رفعت بثقة:
«نسوا إننا من أسبوعين، لما بدأنا نراقب هدى، كنا زارعين كاميرا سريّة وتسجيل بطلب نيابة في المدخل وعند باب شقتك! حركة الطرد والدخول والخروج ومحاولة استدراجك للبصمة متسجلة بالصوت والصورة، والورقة دي لو أتقدمت للنيابة هتبقى دليل إدانة جديد ضدهم بتهمة (التزوير والاستغلال الجنائي والابتزاز)! المحامي ده بيلبس نفسه معاهم، والصباح رباح يا نهى.. بكرة الصبح الساعة تسعة تكوني في مكتب النيابة ومعاكي المحامي بتاعك، وإحنا هنقفل الملاية دي عليهم للأبد!»
في صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة التاسعة صباحاً، كنت أقف في أروقة النيابة العامة.
المكان كان يغلي كالمرجل. على جاني الممر، كانت تتواجد أسر وسماسرة وضباط، وفي الزاوية القريبة من غرفة المحقق، كان يقف طارق!
كان طارق يبدو كمن خرج من قبره للتو. وجهه أصفر كالموت، شعره غير مصفف، وعيونه محاطة بالسواد. كان يحيط به اثنان من المحامين الذين أستأجرهم بفلوس مقترضة، وعلى الكراسي المجاورة كانت تقف حماتي وهدى بالكلابشات، ووجوههما مغطاة بالطرح بعد أن باتتا ليلتهما الأولى في التخشيبة!
عندما رأتني هدى، صرخت بنبرة ملؤها الغل والشماتة:
«جت الشريفة! جت اللي فاكرة نفسها نضفت! تعالي يا نهى.. تعالي شوف ورقتك الأربعة مليون جنيه اللي هتوديكي السجن معانا! فاكرة إنك أذكى منا؟ والله ما هتدخلي السجن لوحدك يا نهى، هتتقفلي معانا في زنذانة واحدة!»
وحماتي بدأت تصرخ وتهدد:
«حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بعيدة! خربتي البيت وشرضتي ابننا ولبستينا القضايا! بكرة تدوري على القرش وما تلاقيهوش!»
أما طارق، فقد جرى ناحيتي والدموع في عينيه، وتمسك بيدي بضعف شديد:
«نهى! المحامي قال لي إن في ورقة عليكِ بـ 4 مليون! أنتِ بصمتِ على إيه يا نهى؟! هما استغلوكي أنتِ كمان؟ أرجوكي قوليلى إنك ما بصمتيش! أنا مستعد أشيل القضايا دي كلها عنك وعن أختي وأمي بس أنتِ تخرجي منها سليمة!»
نظرت لطارق بنظرة أسف على حاله.. حتى في هذه اللحظة، كان مغفلاً لا يفهم أبعاد اللعبة التي أوقعه فيها أهله.
سحبت يدي من إيده ببرود وقلت له:
«وفر عاطفتك دي لنفسك يا طارق.. لأن اللي جايلك أصعب من اللي فات.»
في تلك اللحظة، خرج رئيس النيابة من مكتبه، ونادى على الأسماء:
«القضية رقم 4582.. متهمين: منير عبد الفتاح، هدى محمد، فاطمة حسن، وطارق محمد!»
وقع الاسم كالصاعقة على طارق!
«أنا؟! أنا متهم يا فندم؟! أنا المجني عليه! أنا اللي اتنصب عليا!».. صرخ طارق بذهول وهو يتراجع للخلف.
تقدم ضابط النيابة وقيد يد طارق بالكلابشات فوراً وهو يقول بصارم:
«أمر ضبط وإحضار صادر من النيابة العامة بناءً على التحريات الأخيرة.. أنت متهم بالمشاركة في التغطية على عمليات غسيل أموال وتسهيل الاستيلاء على أموال الشركة باسمك وسجلك التجاري!»
انهار طارق وسقط على أرضية السيراميك الباردة وهو يصرخ ويئن، بينما كانت أمه وأخته تنظران إليه بنظرات باردة خالية من أي رحمة أو ندامة، وكأن كل ما يهمهما هو الخروج من الأزمة حتى لو كان الثمن هو طارق نفسه!
دخلنا جميعاً إلى غرفة المحقق.
وقف محامي منير بابتسامة خبيثة، وأخرج من حقيبته أصل الورقة المزورة، وضعها على طاولة وكيل النيابة بثقة وقال:
«سعادة المستشار.. بنقدم لسعادتك إقرار ضمان مالي صريح ومبصوم من الشاهدة والشاكية “نهى محمود”، يثبت أنها شريكة أصلية في إدارة المبالغ المالية والشحنات، وأن الشكوى المقدمة منها ما هي إلا كيد محض ومحاولة للتنصل من التزاماتها المالية بقيمة 4 مليون جنيه!»
ابتسمت هدى ابتسامة نصر خبيثة، وبصت لي بنظرة تشفي..
لكن وكيل النيابة نظر إلى الورقة، ثم رفع رأسه ونظر إلى العميد رفعت الذي كان يقف بجانبي بثبات، وقال النيابة بلهجة حازمة:
«أستاذ محامي المتهم.. الورقة دي أنت أتقدمت بيها رسمياً دلوقتي بصفتك ووكالتك؟»
رد المحامي بثقة: «نعم يا فندم، ومستعدين لإحالتها للطب الشرعي للاستكشاف!»
هنا ضحك العميد رفعت بصوت عالٍ هز أركان الغرفة، وأخرج من ملفه قرصاً مدمجاً (CD) ووضعه أمام وكيل النيابة وقال:
«سعادة المستشار.. بنقدم لسعادتك التقرير الميداني والتسجيلات المأذون بيها من النيابة العامة بتاريخ الشهر الماضي. التسجيل ده بالصوت والصورة بيوضح المتهمة هدى وهي بتدخل شقة المجني عليها نهى، وتستغل انشغالها بطفلها المريض، وتقوم بتزوير الإقرار ووضع أوراق متداخلة للبصم عليها تحت الخداع والتضليل!»
واستطرد العميد رفعت بضربة القاضية:
«مش بس كده يا فندم.. التسجيلات بتثبت إن المحامي الحاضر كان على علم كامل بواقعة التزوير، وشارك في ابتزاز الشاكية عبر التلفون فجر اليوم، وبنطلب إحالة المحامي نفسه كمتهم رئيسي في شبكة الابتزاز والتزوير الجنائي!»
اتسعت عيون المحامي برعب قاتل، وسقطت الحقيبة من يده! أما هدى فقد صرخت صرخة مكتومة وسقطت على الأرض مغشياً عليها من هول الصدمة!
نظر وكيل النيابة إلى المحامي بحدة وقال:
«حفظ الورقة كدليل إدانة جديد ضد المتهمين، والقبض على المحامي الحاضر وإلحاقه بالمتهمين على ذمة التحقيق!»
خلال دقائق، كان المحامي يُمقاد بالأغلال بجانب منير وهدى وحماتي وطارق!
خرجت من غرفة التحقيق مرفوعة الرأس، أتنفس الحرية والكرامة التي استرددتها بالقانون والذكاء.
وقف طارق عند باب الخروج، ومقيد بالحديد، وبص لي بنظرة انكسار لم أرها في حياة إنسان من قبل.. دموعه كانت تغرق وجهه، وقال بحشرجة ميتة:
«نهى.. ضعت يا نهى.. ضعت وضيعت نفسي عشانهم.. سامحيني.. أرجوكي سامحيني يا نهى!»
بصيت له بقلب صلب كالألماس، وقلت له كلماتي الأخيرة:
«المسامحة دي بينك وبين ربنا يا طارق.. أما أنا، فحق ولادي وحقي أخدته كامِل مكمل.. ومن النهاردة، اسمك هيمسح من حياتنا للابد.»
تركتهم خلفي في ظلمات أفعالهم، وخرجت إلى نور الشمس المشرقة..
لكن.. وأنا أضع مفتاح شقتي الجديدة في الباب وأستعد لبدء حياتي المستقلة والهادئة مع أطفالي، وجدت مظروفاً أسود صغيراً موضوعاً أسفل الباب!
فتحت المظروف بأصابع مرتعشة، لأجد داخله صورة قدييييمة لي تعود لقبل عشر سنوات.. وخلف الصورة كانت مكتوبة رسالة بخط يد غريب:
«فاكرة إنك خلصتي من الماضي يا نهى؟ الحساب الكبير يلا سيبدأ بكرة.. والشخص اللي ساعدك في الأموال العامة، مش هو الشخص اللي أنتِ فاكراه!»

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *