أخت جوزي حكايات زهرة الربيع ٣

صوت الحركة عند شباك المنور الصغير بتاع المطبخ كان زي القشة اللي اتعلقت بيها أرواحنا في وسط الضلمة وريحة الغاز اللي بدأت تتقل وتخنق الأنفاس. الشباك ده كان ألمونيتال صغير، بنفتحه عشان يخرج ريحة الأكل، ومطل على مسقط النور بتاع العمارة الضيق.
“صباح.. انتِ سامعة؟” سامح قالها بصوت مخنوق ومتقطع، وهو بيحاول يرفع رأسه بالعافية، ودمه النازل من جبهته كان بدأ ينشف على وشه ويضايق عينيه.
نور بنتي كانت بتكح بصوت يرعب القلب، صدرها الصغير كان بيترفع وينزل بصعوبة، ودموعها نازلة كأنها مية مفتوحة: “مامي.. أنا خايفة، ريحة وحشة أوي، مش قادرة أتنفس يا مامي!”
أنا كنت بفرط زي المذبوحة، الحبل كان بياكل في جلدي وعامل حز أحمر في معصم إيدي، بس مع كل كحة من نور، كان بيجيلي جنون مش طبيعي. حركت إيدي بصرامة وغل، وجلد إيدي كان بيتقشر تحت الحبل المشدود، بس مكنتش حاسة بأي وجع جسماني، الوجع الوحيد اللي كان بيموتني هو صوت بنتي وهي بتتخنق.
فجأة، إيد الشباك الألمونيتال اترزعت من بره!
الشباك اتفتح ببطء، وظهر وراه وش جارنا عم “سيد”.. الراجل الخمسيني الطيب اللي ساكن في الشقة اللي قدامنا ومطبخه قبال مطبخنا على المنور. عم سيد كان واقف على سور المنور، مسنود على الماسورة الرئيسية، وفي إيده كشاف كبّاس أبيض قاطع بيه الضلمة، عيلته كلها صحيت على صوت الدبّة والصراخ بتاعنا.
“سامح?! صباح?! في إيه يا جماعة؟ ريحة غاز طالعة من عندكم تخنق البلد! هبة وطارق نزلوا بيجروا ليه على السلم بالمنظر ده؟!” عم سيد صرخ بصوت مذهول وهو بيحط إيده على مناخيره أول ما ريحة الغاز ضربت في وشه من الشباك.
“عم سيد! الحقنا يا عم سيد!” أنا صرخت بصوت مكتوم ومش قادرة أطلع النبرة كاملة من الغاز اللي ملَى زوري. “طارق قفل الأنبوبة والمطبخ علينا بالمفتاح ومشي! الأنبوبة مفتوحة يا عم سيد هنموت! نور بتتخنق!”
عم سيد أول ما سمع اسم نور، وشه اتغير 180 درجة، صرخ في مراته اللي كانت واقفة وراه في شباك مطبخه: “يا أم أحمد! اتصلي بالشرطة والإسعاف فوراً! وقولي لأحمد يجيب العتلة وينزل يكسر باب شقة سامح من السلم!”
وفي نفس اللحظة، عم سيد مكدبش خبر.. مد جسمه بكل شجاعة من شباك المنور، ورغم كبر سنه وجسمه المليان، قدر يدخل رأسه وكتفه من فتحة الشباك الألمونيتال الضيقة. إيده كانت بتترعش وهو بيحاول يوصل لمفتاح الأنبوبة اللي تحت الحوض.





