عندي بنتين أماني السيد ٢

بصيت لها ودموع الندم أخيراً نزلت، بس بعد إيه؟ بعد ما النار مسكت في العش كله، وبقيت قاعدة في الصالة الواسعة دي، وحيدة، مكسورة، ومستنية مصير قسوة إيدي اللي زرعتها بنفسي.
الجزء الرابع:
مرت الساعات كأنها سنين. الصغيرة قفلت على نفسها الأوضة ورفضت تطلع، وأنا كنت قاعدة على الكنبة في الصالة، بصلّي على السجادة ودموعي متبطلش نازلة. لأول مرة، حسيت بمعنى الندم الحقيقي… ندم السنين اللي كنت فيها قاسية وظالمة وعمري ما حسست بنتي الكبيرة بحضن دافئ أو كلمة حنونة. كنت دايما بفضل الصغيرة عشان شكلها ودلعها، ونسيت إن “سمر” هي الروح اللي كانت شايالننا كلنا وشايلة هم البيت من غير ما تتذمر.
على الناحية التانية، أحمد مكنش قاعد. لف ورى سمر في كل مكان ممكن تروحه؛ بيت عمتها التانية، الشوارع اللي كانت بتعدي منها، لحد ما قدر يوصل للعنوان اللي كانت بتروحه أحياناً لما تحب تهرب من قسوة البيت: بيت خالتها الطيبة اللي كانت دايما بتخفف عنها.
أحمد وصل هناك، وخبط الباب. لما فتحت له خالتها، لقى سمر قاعدة جوة، عيونها وارمة من كتر العياط وشكلها مكسور بالكامل.
أحمد دخل من غير تردد، وقعد قدامها على الأرض ونزل على ركبتيه، ونسي كل غرور المهندس ومكانته، وبص لها بعيون مليانة حب ودموع:
— كفاية عياط يا سمر… كفاية قهر وجحيم، أنا كنت مستني اليوم اللي أخدك فيه وأعوضك عن كل دمعة نزلت من عيونك بسببهم.
سمر بصت له بصدمة وقالت بصوت مكسور:
— جيت ليه يا أحمد؟ أمي باعتني وأختي اتفلسفت عليا.. أنا مقتدرش أرجع البيت ده تاني، أنا خلاص انتهيت.
رد عليها بثبات ويقين:
— مش هترجعي البيت ده تاني كبنت مكسورة.. هترجعي بيتي أنا، مراتي وأم بيتي وتاج راسي! أنا بحبك من سنين يا سمر، وعمري ما كنت هسمح لحد يكسرك، يلا بينا.
خالتها دخلت وشجعتها، وقالت لها إن ده راجل شهم ويستاهل تتكل عليه وتفتح صفحة جديدة. وبالفعل، في نفس اليوم، أحمد كلم أهله، وتواصلوا مع خالتها، وتم عقد قرانهم في جو عائلي دافئ وبسيط، من غير زفة ولا فرح كبير، بس كان مليان بركة وستر حقيقي.
في البيت عندي، لما التليفون رن وجالي الخبر، حسيت بصاعقة جديدة… بس المرة دي، مش صاعقة قهر، دي صاعقة “فقدان”. بنتي اتجوزت الراجل اللي كان بيحبها، بس من غير ما أكون موجودة، من غير ما أزفها، ومن غير ما أرضيها!





