متجوز على مراتى حكاوي شيمو ٢

وقف محمود أمام الباب المغلق لفترة طويلة، وكلمات سعاد تتردد في أذنه كصدى رعد بعيد: *”البيت اللي بنيته في السر، والبيت اللي هدمته في العلن.. هما الاتنين هيكونوا ثمن للي عملته”*.
نزل الدرج بخطوات ثقيلة كأنها مسحوبة من طين، وعقله مشتت بين بيته الأول الذي هُمش طوال سبع سنوات، وبيته الثاني الذي بات يواجه مأساة حقيقية. عاد إلى شقة ندى، وكان الفجر قد بدأ يلوح في أفق السماء. فتح الباب بهدوء ليجد ندى جالسة على أريكة الصالة، عيناها حمراوان من البكاء وقلبها يخفق بقلق طوال غيابه.
رفعت ندى وجهها وقالت بصوت متهدج: “كنت فين يا محمود؟ وسعاد قالت لك إيه؟ هتعمل إ ايه؟”.
ألقى محمود بنفسه على المقعد القريب، ودفن وجهه بين كفيه وقال بصوت خافت أتعبه الصراخ الداخلي: “عايزة تنهي كل حاجة.. بتقول إنها مش هتفضحني عشان ولادي، بس هتاخد كل حقوقها، وحياتي اللي كنت فاكر إني مسيطر عليها ضاعت في ثواني”.
شحب وجه ندى وقالت بحدة امتزجت بالخوف: “حقوق إيه؟ هي ناوية تطردنا ولا تاخد منك الشغل والفلوس؟ طب وإحنا يا محمود؟ أنا وابني ذنبنا إيه في إنك كنت خايف تواجهها من الأول؟ إنت جيت عليا سبع سنين وخلتني أعيش في الظل، ودلوقتي جاي تقولي إن مرتك الأولى هتهد كل حاجة؟”.
لم يستطع محمود الرد؛ فكل كلمة كانت تخرج من ندى كانت طعنة جديدة تؤكد له أنه الصانع الوحيد لهذه المأساة، وأنه بقراره الأحمق في الماضي لخص حياته في معادلة خاسرة لا منتصر فيها سوى الألم.
مرت الأيام التالية وكأنها جحيم لا يطاق. في الصباح التالي، تلقى محمود مكالمة هاتفية قصيرة وجافة من محامٍ يبلغه أن سعاد تقدمت بطلب رسمي للطلاق للضرر، مطالبة بكل حقوقها الشرعية والقانونية، إضافة إلى حضانة الأولاد وشروط صارمة تتعلق بالنفقة والمسكن، مع تلويح بملفات أخرى تخص إدارة أمواله وممتلكاته المشتركة طوال السبعة عشر عامًا الماضية.
حاول محمود الاتصال بسعاد آلاف المرات، تارة يتوسل وتارة يهدد، لكن هاتفها كان مغلقًا تمامًا، وكان التواصل الوحيد يمر عبر كريم، الذي تحول إلى حائط صلب وجدار عازل بين أبيه وأمه.
وفي أحد الأيام، عاد محمود إلى بيته الأول (القديم) علّه يجد كريم أو مريم ليحاول الحديث معهما. فتح الباب بمفتاحه ودخل، لكن الشقة كانت تبدو كأنها مهجورة، خالية من دفء الحياة الذي اعتاد عليه. وجد على طاولة السفرة ظرفًا أبيض يحمل اسمه بخط يد سعاد.





