رفعت رأسي للظابط والدموع مغرقاني، صوابعي لسه متشبثة بإيد "جنة" اللي بدأت تدفى بالتدريج. كانت عينيها مثبتة عليا بتعب، بتبصلي بذهول كأنها مش مصدقة إن أبوها ماسك إيدها وبيعيط عشانها. رديت على الظابط بصوت مخنوق ومكسور: "حاجة إيه يا باشا؟ أنا مش عايز غير إن الحق يرجع، والست دي تتحاسب على كل لحظة عذاب عاشتها البنت دي بسببها وبسبب خيانتها." الظابط قرب خطوتين، طلع ملف أسود من تحت دراعه وهز رأسه بأسى: "سهيلة والراجل اللي معاها ما أخدوش فلوسك وعاشوا بيها مبسوطين زي ما كنت فاكر... ربنا حط عدله في الدنيا قبل الآخرة. الراجل ده صب عليها ألوان العذاب بعد ما هربت معاه، أخد منها الدهب والفلوس وطردها في الشارع بعد سنتين بس. وهي دلوقتي محجوزة في مستشفى حريمي في المحافظة المجاورة، أسراب الأمراض نهكت جسمها، وعايشة على التبرعات، والراجل اللي هربت معاه محبوس من خمس سنين في ق\ضية تجارة مخدرات." سمعت الكلام وكأن حد صب عليا مية نار. تبسمت بمرارة وشفت عظمة ربنا وقدرته؛ العدالة العصبية اللي كنت فاكر إنها غايبة، كانت شغالة طوال السنين دي، بس أنا اللي كنت أعمى بالغل والكراهية ووجهت غضبي للضحية البريئة اللي تحت إيدي. بصيت لـ "جنة" ولقيت دموعها بتنزل ببطء على خدها الشاحب. رفعت إيدها بتعب ومسكت طرف كمي، وقالت بصوت مكسور كأنه همس الريح: "بابا... بلاش تؤذيها... هي أمي في الأول والأخر، وأنا حاميتك عشان ما تتوجعش، مش عشان هي تتأذي." الكلمات دي كانت زي الطعنة في صدري. البنت اللي اتنحرمت من الأكل، واللي كانت بتبيت في الضلمة، واللي صوابعها اتخرمت من خياطة الجزمة المقطوعة عشان تحميني... لسه فيها طهر يخليها تسامح الأم اللي رمتها في الجحيم ده كله! نزلت على ركبي جنب السرير وبست إيدها ورجلها قدام الظابط والدكاترة والممرضات اللي كانوا واقفين يمسحوا دموعهم. صرخت وأنا بنتحب: "أنتِ إيه يا بنتي؟! أنتِ بني آدمة زينا ولا ملاك نازل من السماء يكسر قسوتنا؟! أنا كنت الشيطان يا جنة... أنا اللي استاهل أترمى في النار مكان أي حد ثاني!" الظابط حط إيده على كتفي وقال بجدية: "الإجراءات القانونية لازم تمشي يا عزيز. التسجيل والدفتر اتحفظوا في النيابة، وهينزل محضر رسمي باتهام سهيلة بالسرقة والتخلي عن طفل، وق\ضية التعذيب اللي مرت بيها البنت هتفتح ملف ثاني... بس المهم دلوقتي صحة بنتك." بعد ثلاثة أسابيع كاملين في المستشفى، خرجت "جنة" على كرسي متحرك لأن جسمها كان لسه ضعيف ومحتاج علاج طبيعي وتغذية مكثفة. اليوم اللي رجعنا فيه البيت، كان البيت اتغير تماماً. قبل ما ندخل، مسكت الكرسي وقفت قدام الباب، وبصيت لمراتي وابني. كنت نظفت البيت كله، رميت كل حاجة قديمة، وغيرت الأوضة الضلمة وخليتها أكبر وأنوَر أوضة في البيت، مليتها بالورد والهدوم الجديدة والجزم اللي ما لحقتش تحلم بيها في يوم من الأيام. شلت "جنة" بين إيديا ببطء ودخلت بيها. أول ما دخلت الأوضة الجديدة، عينيها وسعت من الذهول، وبصتلي بالدموع: "دي ليا أنا يا بابا؟" "دي تحت رجليكي يا روح بابا... البيت ده كله ملكك، وأنا خدامك لطول العمر." قعدتها على السرير المريح، وجبت صينية عليها أحسن أنواع الأكل، قعدت على الأرض تحت رجليها، مسكت المعلقة بإيدي المرتعشة وبدأت أوكلها بنفسي. البنت كانت بتبصلي ومش مصدقة، كل معلقة كانت بتاكلها كانت بتنزل مع القصة دموع من عينيها وعيني. مراتي الجديدة قعدت جنبنا، وأخذت ابننا الصغير وقالتله: "بوس إيد أختك الكبيرة يا حبيبي... دي هي اللي حمتنا كلنا وكانت السبب إننا نفضل عايشين." فجأة، ورنة التليفون قطعت الهدوء... كان رقم غريب. فتحت الخط، وجالي صوت حشرجة امرأة مريضة، صوت مكسور وطالع بالعافية، بس عرفته من أول نبرة... صوت "سهيلة"! قالت بصوت بيترعش ويبكي: "عزيز... أنا بموت في المستشفى... الأطباء قالوا إن فاضلي أيام. أنا عرفت إن النيابة بتدور عليا وإنك عرفت كل حاجة... أنا مش خايفة من السجن ولا الموت، أنا بس بترجاك... خلي جنة تسامحني قبل ما أقابل ربنا. أرجوك يا عزيز... هات البنت وتعالى خليني أشوفها للمرة الأخيرة." بصيت لـ "جنة" اللي كانت بتبصلي بفضول وخوف، والدم يغلي في عروقي من جديد. مسكت التليفون بكل قوتي وقبل ما أرد عليها، سمعت حركة برة باب الشقة... خبط جامد ومفاجئ على الباب، وصوت ظابط الشرطة برة بصرخ: "افتح يا عزيز! سهيلة هربت من المستشفى بمساعدة الراجل اللي خرج من السجن بالأعفاء... وهما نازلين المحافظة عندك دلوقتي وناويين على مصيبة!" البيت كله اتعزل في لحظة رعب جديدة. التليفون وقع من إيدي، والصوت اللي جاي من برة الباب كان زي نفخة الصور. بصيت لـ "جنة" اللي كان جسمها كله بيترعش على السرير المريح، ملامح الخوف القديمة رجعت لوشها من جديد، نفس الرعب اللي عاشته وهي عندها خمس سنين لما شافت أمها والراجل ده بياخدوا الدهب والفلوس. سحبت "جنة" في حضني وقفت قدامها زي السد العالي، وأنا بصرخ في مراتي: "دخلي الولد الأوضة وجفلي عليكوا بالمفتاح! أوعي تخرجي مهما حصل!" فتحت باب الشقة بسرعة، كان الظابط واقف ومعه عسكريين، وشه مشدود وعرقان: "يا عزيز، الحركة اللي عملتها سهيلة والراجل ده مش عشوائية. الراجل ده عارف إن النيابة فتحت الق\ضية وإن التسجيلات هتلبسه ق\ضية سرقة وتخلي عن طفل غير القضايا القديمة، وهو عارف إن الشريط كان معاك في البيت، وجاي فاكر إنه هيلاقيه هنا ويحرقه عشان يفلت من السجن، وسهيلة معاه زي الميتة اللي ماشية بتنفذ أوامره!" ما لحقتش أرد، ولا لحق الظابط يكمل كلامه... سمعنا صوت صرخة مكتومة جاية من تحت السلم، وصوت خطاوى تقيلة وسريعة بطالع بتجري على الدرج. في ثواني، ظهر الراجل... كان شكله يرعب، ملامحه متغيرة، عيونه غايرة وفيها غل مش طبيعي، ومس\دس قديم في إيده المرتعشة. وراه كانت "سهيلة"... مش دي الست اللي كنت بطير بيها زمان، ولا دي الست اللي هربت، دي كانت عبارة عن هيكل عظمي ماشي على رجليه، وشها أسود ومجعد من المرض، ولابسة هدوم مقطعة ومبهدلة، عينيها مطفية كأن الموت سكنها خلاص. أول ما الراجل شاف الظابط والعساكر، اتجنن ورفع المس\دس: "محدش يقرب! الشريط فين يا عزيز؟! الشريط اللي هيوديني في داهية فين؟! هاتوا وإلا ههد البيت ده على باللي فيه!" سهيلة المحتضرة وقعت على ركبتها على السلم، وبصت لجوة الشقة... عينيها جت في عين "جنة" اللي كانت واقفة ورايا بالكرسي المتحرك وهي بتترعش. سهيلة مدّت إيدها الميتة الناشفة لـ "جنة" وبدأت تبكي بصوت حشرجة مرعبة: "جنة... يا بنتي... سامحيني يا بنتي... هو اللي جرني للحراب، هو اللي ضيعني وضيعك..." الراجل أتعصب وصوته هز العمائر: "اسكتي يا مريضة يا ملعونة! أنتِ اللي جيتيلي بالدهب والفلوس!" وفجأة، وفي لحظة جنون، وجه المس\دس ناحية الشقة، وتحديداً ناحية "جنة"! في اللحظة دي، الزمان وقف عندي. الوش اللي كنت بكرهه ١٥ سنة، الوش اللي عذبته ورميتله الأكل في الأرض، كان وقتها هو كل حياتي، هو الروح اللي بتنفس بيها. ما فكرتش ولا ثانية... أترسخت في الأرض ورميت جسمي كله قدام "جنة" عشان أكون درع ليها! صوت ضربة الرصاصة هز العمارة كلها... حرارة شديدة وغريبة دخلت في كتفي الشمال، ودمي طرطش على الأرض وعلى وش "جنة". سمعت صرخة "جنة" المرعبة وهي بتنادي: "باااابااااا!" في نفس اللحظة، العساكر ضربوا نار على الراجل، وقع على السلم ومس\دسه اتدحرج، والظابط هجم عليه وثبته في الأرض وهو بيصرخ في العسكري: "اطلب الإسعاف بسرعة! الأستاذ عزيز اتصاب!" سندت نفسي على الباب وأنا بنزل ببطء على الأرض، والدم نازل مني بغزارة. "جنة" نزلت من على الكرسي وزحفت عليا في الأرض، مسكت وشي بطفولتها وبرائتها وهي بتعيط وتصرخ: "لأ يا بابا! لأ! أنت قعدت تحميني ١٥ سنة بالسر... ما تموتش دلوقتي بعد ما عرفت الحقيقة! خذ عمري وطيبي أنت يا بابا!" حطيت إيدي المدممة على خدها، وابتسمت وسط الوجع. لأول مرة أحس إن الدم اللي بيسيل مني ده بيغسل القذارة والقسوة اللي كانت في قلبي طول السنين اللي فاتت. سهيلة زحفت على بطنها على الأرض لحد ما قربت من عتبة الباب، دموعها نازلة مخالطة بالطين، وكانت بتمد إيدها عايزة تلمس رجل "جنة": "سامحيني يا بنتي... خليني أموت وأنا مستريحة..." جنة بصت لأمها وهي بتبكي، وبصتلي أنا وأنا بدمي بين إيديها... وفي اللحظة دي، حطت إيدها على جرحي عشان توقف الدم، وبصت لأمها بصوت مكسور هز قسوة الجدران: "أنا سامحتك يا ماما... عشان بابا يعيش... وعشان ربنا يرحمنا كلنا." غمضت عيني والهدوء بدأ ينسحب على عقلي، وصوت سرينة الإسعاف جاي من بعيد بيشق ظلام الليل... فتحت عيني في أوضة المستشفى، وريحة المطهرات مالية المكان، وصوت أجهزة النبض بتنبت بانتظام هادي. كتفي كان ملفوف بالشاش، والوجع بيسرق نَفَسي، بس كل ده اختفى أول ما عينيا جات على الكرسي اللي جنب السرير. "جنة" كانت قاعدة، حاطة راسها الصغيرة على طرف السرير ونايمة، وإيدها الدفية ماسكة إيدي بقوة كأنها خايفة أضيع منها. الوش اللي فضلت ١٥ سنة أهرب منه وأشوفه كابوس، كان وقتها هو النور الوحيد اللي مسندني على الدنيا. ملامحها الشاحبة بدأت ترد فيها الروح، وكأن الحقيقة والمسامحة غسلوا الهموم اللي كانت كابسَة على صدرها من وهي طفلة. حركت صوابعي ببطء عشان ما أقلقهاش، بس هي حسيت بيا فوراً. رفعت راسها وعينيها مليانة دموع، وبصتلي بابتسامة صدمت قلبي من كتر النقاء: "حمد الله على سلامتك يا بابا... الدكتور قال الرصاصة جت في الكتف وما أثرتش على أي شريان رئيسي. ربنا كتبلك عمر جديد." دمعت عيني ونزلت إيدي ألمس شعرها: "ربنا كتبلي عمر جديد عشان أعوضك عن كل لحظة وجع، عن كل مرة سبتك فيها جعانة، عن كل مرة خيطتي فيها جزمتك بالبرة وصوابعك بتنزف. أنا مش عارف هكفر عن ذنبي إزاي يا جنة..." حطت إيدها على بؤي وقالت بصوت ناعم زي النسمة: "بلاش تفتكر القديم يا بابا. أنت فديتني بصدرك ووقفت قدام الرصاصة عشان تحميني... أنت غسلت كل حاجة بدمك. أنا أصلًا مش فاكرة غير إنك بابا اللي بحبه." مراتي الجديدة دخلت الأوضة شايلة ابننا، وأول ما شافتني قامت تبكي وتستغفر. قربت مني وقالت: "سامحني يا عزيز... أنا كمان قسيت عليها ورضيت بالظلم وسكت، بس ربنا شهد على طهارة البنت دي ورجعلك عقلك." الظابط دخل بعدهم بساعات، ومسح جبهته وبصلي بملامح جادة بس هادية: "عزيز بيه... ق\ضية (سهيلة) والراجل اللي معاها اتقفلت رسمياً. سهيلة اتوفت في المستشفى بعد حادثة الشقة بساعات قليلة... ماتت بعد ما بنتك سامحتها. والراجل صدر ضد حكم المؤبد بتهم قطع الطريق، الشروع في القتل، والسرقة المقترنة بالإكراه. حقك وحق بنتك رجع بالقانون." سمعت خبر موت سهيلة، وما حسيتش بأي شماتة ولا غل... حسيت بس بكسرة ونهاية لمأساة طولت أكتر من اللازم. بصيت للسماء وحمدت ربنا إن الحقيقة ظهرت قبل ما أنزل القبر وأنا شايل ذنب الملاك ده. عدت الشهور... والجرح اللي في كتفي التأم، بس الجرح الأكبر كان محتاج شغل كتير عشان يطيب. بعت البيت القديم... رميت كل حاجة بتفكرنا بالماضي، وعزلت أنا وعيلتي لبيت جديد في مكان هادي، ماليان خضرة ونور. أول حاجة عملتها إني أخدت "جنة" بإيدي وقدمتلها في المدرسة. البنت الموهوبة الذكية اللي حرمتها من التعليم، كانت بتقعد بالساعات تذاكر بنهم، وعوضت السنين اللي فاتتها في وقت قياسي بفضل عقلها النظيف واجتهادها. اشتريت لها أحسن الهدوم، وأجمل الجزم، وفي كل مرة كنا نقعد فيها على سفره الأكل، كنت أجي أنزل على الأرض وأقعد تحت رجليها عشان أوكلها بإيدي، فتقوم تجري عليّ وتحضنني وتقولي: "مكانك على راسنا من فوق يا بابا." النهارده... بعد مرور سنين على الليلة المرعبة دي، واقف في قاعة الفرح، وبصيت لـ "جنة" وهي لابسة الفستان الأبيض زي الملاك. كبرت وبقت عروسة زي القمر، وواقفة جنب إنسان محترم يصونها ويعرف قيمتها. قربت مني قبل ما تسلم إيدها لعريسها، طبطبت على كتفي اللي فيه أثر الرصاصة، ومالت على ودني وقالت: "أنت أحسن أب في الدنيا يا بابا... شكراً إنك حميتني، وشكراً إنك اديتني الفرصة أحبك." دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة بال. ضميتها لصدري للمرة الأخيرة قبل ما تسيب بيتي، وأنا عارف إن السلسلة الملعونة من الكره والخيانة انكسرت، وإن النور اللي في وش "جنة" هو اللي أنقذ روحي من الضياع الأبدي.