ماساة بنتي حكايات زهرة الربيع ٢

حطت إيدها على بؤي وقالت بصوت ناعم زي النسمة: “بلاش تفتكر القديم يا بابا. أنت فديتني بصدرك ووقفت قدام الرصاصة عشان تحميني… أنت غسلت كل حاجة بدمك. أنا أصلًا مش فاكرة غير إنك بابا اللي بحبه.”

مراتي الجديدة دخلت الأوضة شايلة ابننا، وأول ما شافتني قامت تبكي وتستغفر. قربت مني وقالت: “سامحني يا عزيز… أنا كمان قسيت عليها ورضيت بالظلم وسكت، بس ربنا شهد على طهارة البنت دي ورجعلك عقلك.”

الظابط دخل بعدهم بساعات، ومسح جبهته وبصلي بملامح جادة بس هادية: “عزيز بيه… ق\ضية (سهيلة) والراجل اللي معاها اتقفلت رسمياً. سهيلة اتوفت في المستشفى بعد حادثة الشقة بساعات قليلة… ماتت بعد ما بنتك سامحتها. والراجل صدر ضد حكم المؤبد بتهم قطع الطريق، الشروع في القتل، والسرقة المقترنة بالإكراه. حقك وحق بنتك رجع بالقانون.”

سمعت خبر موت سهيلة، وما حسيتش بأي شماتة ولا غل… حسيت بس بكسرة ونهاية لمأساة طولت أكتر من اللازم. بصيت للسماء وحمدت ربنا إن الحقيقة ظهرت قبل ما أنزل القبر وأنا شايل ذنب الملاك ده.

عدت الشهور… والجرح اللي في كتفي التأم، بس الجرح الأكبر كان محتاج شغل كتير عشان يطيب.

بعت البيت القديم… رميت كل حاجة بتفكرنا بالماضي، وعزلت أنا وعيلتي لبيت جديد في مكان هادي، ماليان خضرة ونور. أول حاجة عملتها إني أخدت “جنة” بإيدي وقدمتلها في المدرسة. البنت الموهوبة الذكية اللي حرمتها من التعليم، كانت بتقعد بالساعات تذاكر بنهم، وعوضت السنين اللي فاتتها في وقت قياسي بفضل عقلها النظيف واجتهادها.

اشتريت لها أحسن الهدوم، وأجمل الجزم، وفي كل مرة كنا نقعد فيها على سفره الأكل، كنت أجي أنزل على الأرض وأقعد تحت رجليها عشان أوكلها بإيدي، فتقوم تجري عليّ وتحضنني وتقولي: “مكانك على راسنا من فوق يا بابا.”

النهارده… بعد مرور سنين على الليلة المرعبة دي، واقف في قاعة الفرح، وبصيت لـ “جنة” وهي لابسة الفستان الأبيض زي الملاك. كبرت وبقت عروسة زي القمر، وواقفة جنب إنسان محترم يصونها ويعرف قيمتها.

قربت مني قبل ما تسلم إيدها لعريسها، طبطبت على كتفي اللي فيه أثر الرصاصة، ومالت على ودني وقالت: “أنت أحسن أب في الدنيا يا بابا… شكراً إنك حميتني، وشكراً إنك اديتني الفرصة أحبك.”

دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة بال. ضميتها لصدري للمرة الأخيرة قبل ما تسيب بيتي، وأنا عارف إن السلسلة الملعونة من الكره والخيانة انكسرت، وإن النور اللي في وش “جنة” هو اللي أنقذ روحي من الضياع الأبدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *