عربيات النص نقل قطعت ضلمة الطريق بهدير مواتير عالي، ونور كشافاتها البيضا كشف تراب الغيطان اللي هاج في الهوا. في ثواني معدودة، وقفت العربيات دي ورا بوكس الشرطة بشكل عشوائي، ونزل منها أكتر من عشرين راجل، جلاليب مقمرة وعصيان شوم، وفيهم اللي ماسك في إيده كشافات يد صيد حادة. على راسهم كان راجل عجوز بشنب أبيض وعيون جاحظة، وشه كأنه محفور في صخر، وجنبه اتنين شباب طوال، ملامحهم مقلوبة غضب وعروق رقبتهم بارزة كأنها حبال.= فين بنتي؟! فين نورا يا ولاد الحرام؟!الراجل العجوز صرخ بصوت شق سكون الليل وزلزل الطريق الزراعي كله. الشباب اللي معاه اندفعوا لقدام بعصيانهم، لكن صوت تعمير بنادق العساكر وصرخة الظابط الصارمة وقفتهم مكانهم:= مكانك أنت وهو! سلاحك في الأرض ومحدش يخطو خطوة تانية لقدام.. إحنا قوة مباحث والمنطقة دي تحت السيطرة! حماتي، اللي كانت مربوطة في حديد البوكس، أول ما شافت أهل العروسة داخلين بالشوم، صوتها اللي كان بيهز البيت زمان اتحول لصرخة رعب ومسكنة خبيثة، وفضلت تولول وهي بتهز في الكلبش:= الحقونا يا ناس!الحقنا يا حاج عبد الرازق! الغريبة دي جت هجمت على العيال في ليلة دخلتهم، سممت بتكم الغلبانة في شرباتها وحرقت قلبنا عليها.. بنتكوا راحت في كيد الضراير والغل! جوزي لقى في صرخة أمه أمل أخير إنه يخلص برقبته من قـ،،تـــ،ـل العمد، فرمى نفسه على ركبه في التراب وصرخ بأعلى حسه وهو بيبص لأبو البنت:= غدرت بيا وببنتك يا عمي! جاية من محافظتها مخصوص عشان تنتقم، دخلت وراها وسممتها بالبطيء وإحنا بنجري بيها على المستشفى في نص الليل عشان نلحقها!دي شيطانة مش بني آدمة! كلامهم كان زي الشرارة اللي ولعت في كوم قش. الشابين، إخوات البنت، عنيهم احمرت ووشوشهم اتخطفت لما سمعوا كلمة "راحت"، وبصوا ناحية العربية الملاكي وبعدين بصوا عليا. واحد منهم رفع شومته لفوق وصرخ بهستيريا وهو بيهجم:= قتلتِ أختي يا فاجرة؟! والله ما هتدخلي المركز حية، تار أختي هاخده بإيدي هنا! العساكر اتدخلوا وحجزوه بالعافية، الظابط وقف سد منيع بيني وبينهم، وطلع طبنجته وضرب طلقة في الهوا نورت الضلمة للحظة وصوتها رد في الغيطان وخرس الجميع.= اللي هيتحرك خطوة تانية هصفيه في مكانه! دا مش سوق ولا ميتة كلاب عشان تاخدوا تاركم بأيديكم.. إحنا في دولة وقانون! في عز الصريخ ده كله، كنت واقفة متصلبة في مكاني، هدومي عليها د,م البنت، وبرد الفجر بينخر في عظامي، بس روحي كانت باردة كأنها تلج. بصيت لأبو البنت اللي كان ساند على عكازه وبيترعش، دموعه نزلت تغسل تجاعيد وشه العجوز، راجل مهدود كان باعت بنته بفستانها الأبيض على أمل يشوف عيالها، مش يشوفها في ملاية على طريق زراعي. قربت من الظابط بهدوء، ومسكت تليفوني بإيد ثابتة مفيهاش أي ارتعاش:= يا باشا. . كلام الضراير والحكاوي الوسخة دي متمشيش مع البوليس. أنا طلبت الإسعاف وسجلت كل كلمة من أول ما البنت وقعت من طولها في الشقة، والتسجيل ده معاه توقيت دخولهم وتوقيت خروجنا من البيت، وفيه صوته وهو بيتحايل عليا أنقذها بصفتي ممرضة عشان ميفضحش نفسه إنه بلعها حبوب ومقويات غلط سببتلها نزيف حاد، وفيه صوت أمه وهي بتقوله نرمي الجثـ،،ه في المصرف ونقول للبلد إنها هربت! فتحت السماعة الخارجية للتليفون على أعلى صوت، وضغطت على زرار التشغيل. صوت جوزي المخنوق الرعديد طلع في الهوا نقي وواضح:(نرميها في المصرف هنا جنب الغيط، ونقول صحينا الفجر ملقيناهاش، هربت ولا اختفت.. والبلد عارفة إنها كانت بتعيط قبل الفرح)وبعده صوت أمه الخبيث وهو بيتردد في السكون:(أيوة يا سيد، نرميها هنا والمية تشيلها بعيد، ونرجع على بلدنا قبل ما النهار يشقشق ونعمل نفسنا بندور عليها مع أهلها.. محدش يعرف إنها طلعت معانا في العربية) الصوت نزل على أهل البنت زي المية المغلية. أبو العروسة فتح بؤه بصدمة ومقدرش ينطق، وإخواتها الاتنين اتحولوا لوحوش بجد. الشوم نزل من إيديهم وطلعوا سكاكين مطاوي من جيوبهم، وهجموا مش عليا.. هجموا على جوزي وأمه اللي كانوا مربوطين في البوكس.= يا ولاد الحرام! عايزين ترموا بنتنا في المصرف وتلصقوا فيها العار؟! الضرب اشتغل على جوزي المكلبش، والعساكر بيحاولوا يخلصوه بالعافية، وصريخ حماتي كان مالي الدنيا وهي بتستنجد بالظابط اللي لقى نفسه في وسط معركة دموية. في اللحظة دي، عربية الإسعاف وصلت وسارينتها بتنور الطريق، ووراها عربيتين بوكس تانيين للدعم. الظابط شاور للعساكر يفرقوا الناس بالقوة، وقرب مني وشد التليفون من إيدي بحذر، وبص لملامحي اللي مكنش فيها أي انكسار وقال:= الحرز ده هيروح النيابة دلوقتي.. وإنتِ يا مدام هتطلعي معانا على المركز تدلي بأقوالك، بس بصفتك شاهدة إثبات مش متهمة.. الموضوع أكبر من مجرد خناقة عائلية، ده فيه تقرير طب شرعي هيقلب موازين البلد دي كلها الصبح. بصيت ناحية المسعفين وهما بيطلعوا نقالة البنت من العربية، ملايتها كانت مفضوحة بد,مها، وحماتي وابنها وشوشهم غرقانة د,م من ضرب إخوات البنت قبل ما العساكر يشدوهم للبوكس المقفول. ركبت في بوكس الشرطة الجديد، وقعدت جنب الشباك الحديدي.. والنهار كان بدأ يشقشق بخيوط رمادية باهتة على الغيطان، كأن الليل البشع ده بيلم سواده ويسيب وراه حساب طويل لسه النيابة والمحاكم هتفتحه ومش هيتقفل بالساهل. شمس الصبح طلعت كئيبة وباهتة، شقت الضباب اللي كان مغطي مركز الشرطة. المدخل كان مقلوب رأساً على عقب، ريحة دخان سجاير رخيصة وبن محروق مالية الطرقة الطويلة، والهمهمات وصوت الصريخ والولولة كان مالي المكان. البلد كلها كانت واصلة ورا عربيات الإسعاف، الحارة وأهل العروسة وعيلة جوزي.. كل طرف واقف في ركن بيغلي، والعساكر عاملين كردون بالعصيان عشان الد,م ميسيلش جوة مكاتب الحكومة. دخلوني أوضة مكتب وكيل النيابة بعد ما الدكتور الشرعي خلص معاينته المبدئية لجثـ،،ه "نورا" في مشرحة المستشفى المركزي. كنت قاعدة على الكرسي الخشب، هدومي لسه معفرة بتراب الغيط وبقع الد,م الناشفة على أكمامي، بس ملامحي كانت هادية بشكل يرعب أي حد يبصلي. لا دمعة نزلت من عيني ولا رعشة هزت صوابعي. القهرة اللي كانت خنقاني في أوضة بيت العيلة من كام ساعة، اتبخرت وحل مكانها برود صلب زي الصخر. الباب اتفتح ودخل عسكري ومعاه جوزي، "سيد"، متكلبش في إيد عسكري تاني. كان متبهدل، وشه متورم من ضرب إخوات البنت، كُم قميصه مقطوع، وراسه مدلدلة في الأرض مش قادر يرفع عينه في عيني. وراه على طول دخلت أمه، حماتي اللي كانت بتملى البيت جبروت وبتعايرني بـ"الأرض البور", داخلة تسحب رجليها زي الشحاتين، طرحتها مشققة وشعرها الأبيض طالع منها، وأول ما شافتني بصتلي بنظرة فيها رعب ممزوج بغل عاجز. وكيل النيابة، شاب ثلاثيني وشه صارم وحواجبه مقفولة بتركيز، قعد ورا مكتبه وفتح الملف الأزرق الكبير، كان جواه تليفوني، كيس بلاستيك فيه شرايط حبوب فارغة ومحقن قديم، وتقرير مطبوع مستعجل عليه ختم النسر. خبط القلم على المكتب وقال بصوت حاد قطع صمت الأوضة:= افتح المحضر يا ابني. المتهم الأول سيد عبد العظيم، والمتهمة التانية والدته فاطمة إبراهيم.. والمتهمة بالتستر أو الشاهدة الأولى رضوى حسن. رفع عينه وبص لجوزي:= المتهم الأول..اعترفت في محضر المباحث إنك اديت المجني عليها حبوب مجهولة المصدر ليلة الدخلة بدعوى تحفيز قدرتك ومنع أي مشاكل ليلتها، وإنه حصلها نزيف مفاجئ حاولت تخفيه و