جوزي رجع البيت ٣

الساعة جاوزت الثامنة والربع بقليل، والشقة بقت هادية بطريقة تفتح النفس على التركيز وترتيب أولويات الحياة من جديد. هالة نزلت بيتها، وأنا وقفت قدام مرايا الصالون الكبيرة، بصيت لعيوني.. مكنش فيها أي أثر للخوف ولا حتى للتردد اللي كان مسيطر عليا سنين. كنت شايفة قدامي ست جديدة، ست عرفت قيمة نفسها كويس وقررت إنها ما تقبلش بأقل من الكرامة الكاملة.
دخلت غرفة النوم الرئيسية.. الغرفة اللي كانت ليلة امبارح مأساة حقيقية، بقت النهاردة عنوان للتحرر. فتحت الدولاب، وبدأت أطلع هدوم رامي وحاجاته القليلة اللي سابها، وحطيتها في كراتين كرتونية كبيرة كنت مخبيها في المطبخ. مكنش عندي أي إحساس بالحنين ولا حتى بالوجع وأنا بعمل كدة؛ بالعكس، كل قطعة هدوم كنت برميها جوه الكرتونة، كنت بحس قصادها إن طاقة سلبية قديمة بتترمي برا حياتي للأبد.
لما خلصت لم هدومه كلها، قفلت الكراتين بشريط لاصق، وطلعتها برة عند باب الشقة عشان يجي ياخدها أو أبعتهالها مع أي حد، المهم إنها مبقتش جوه بيتي ولا مكان بياخد من هواء بتاعي.
رجعت جوه، وفتحت لاب توب بتاعي اللي كان مرمي ورا الملفات سنين. قعدت على الترابيزة وبدأت أكتب.. نعم، الكاتبة جوايا اللي كانت نايمة أو مقتولة بالحياة الزوجية المسمومة دي صحت فجأة وبقوة. بدأت أفتح ملفات “الورد” القديمة اللي كنت بكتب فيها رواياتي وقصصي وكتبتها باللهجة المصرية اللي بعشقها، ولقيت الأفكار بتتدفق في دماغي زي الشلال. مفيش قيود، مفيش حد بينط في وسط الكلام يقول “بطلي هبل واهتمي ببيتك”، مفيش حد بيقلل من شغفي وكتاباتي.
فتحت جروب “الكاتبات والناشرين في خدمة بعض” على الفيس بوك، ولقيت الرسائل والتعليقات شغال، بنات كتير بيسألوا عن الروايات الجديدة، وناس بتطلب الحلقات القادمة من القصص اللي كنت بنزلها. كتبت بوست جديد بكل ثقة وقوة:
“صباح الخير لكل الكاتبات الجدعان.. عودة قريبة جداً برواية جديدة، كاملة، ومن قلب الحقيقة. انتظرونا.”
التفاعل نزل زي المطر، آلاف الإعجابات والتعليقات المشجعة من الزميلات والأصدقاء اللي ما يعرفوش إني كنت لسه من ساعة واحدة بمر بأصعب لحظات عمري، بس اللي ظاهر لهم دايماً هو قوة إيمان ووقفتها.
الساعة بقت 9:00 الصبح، والتليفون رن برقم غريب.. مش رامي، ومش ليلى.



