أنا وأخت جوزي حكايات روماني مكرم ٢

ـ هنادي.. بنتي.. ازيك يا هنادي؟

التفتّ بسرعة، وكانت الصدمة! كانت حماتي (أم أحمد) هي الواقفة أمامي. لكنها لم تكن تلك المرأة المتغطرسة التي كانت تملأ البيت صخباً وغروراً؛ بل بدت عجوزاً منكسرة، شعرها الأبيض قد غزا رأسها بالكامل، وظهرها منحني قليلاً، وعيناها مليئتان بالدموع والتوسل.

نظرت إليها بملامح هادئة وخالية من أي شماتة، ووقفت مستندة إلى طاولة الأقمشة، وقلت بصوت حاسم وخالٍ من الانفعال:

ـ أهلاً يا أم أحمد.. خير؟ فيه حاجة؟

انهارت الدموع على وجهها العجوز، وقالت بصوت متهدج وهي تحاول مد يدها لتلمس يدي:

ـ سامحيني يا بنتي.. حقك عليا. أنا عارفة إني ظلمتك، وإني كنت شيطانة أعمى قلبي الغل والجهل.. البيت من بعدك خرب يا هنادي. أحمد لحد دلوقتي رافض يتجوز، وقاعد زي المكسور، وريهام جوزها طلقها بعد ما الهنا والمشاكل كثرت، وابنها عينه باين فيها التشوه والندبة اللي بتفكره كل يوم باللي حصل.. إحنا بندفع ثمن ظلمنا ليكي غالي قوي يا بنتي!

نظرتُ إلى عينيها المليئتين بالندم، ولم أجد في قلبي أي رغبة في الانتقام أو الشماتة، لأن الله قد أخذ لي حقي وزيادة، لكن الكرامة لها ثمن غالي لا يُشترى بكلمات عابرة. قلت لها بنبرة هادئة وحازمة:

ـ الندم مش بيصلح اللي انكسر يا أم أحمد. أنتِ ظلمتني في أكتر وقت كنت محتاجة فيه لكلمة طيبة وحضن دافئ، واتهمتني في شرفي عشان بنت وولد. ربنا سبحانه وتعالى عادل، ودايماً بياخد حق المظلوم. أنا تجاوزت الصفحة دي من حياتي، وبقيت عايشة ملكة مع بنتي في بيت أهلي، وربنا يهديكِ ويهدي الجميع.

حاولت التكلم وقالت بانهيار:

ـ طب أحمد.. أحمد لسه بيحبك وعاوزك ترجعي له، و…

قاطعتها بابتسامة هادئة وثقة بالغة:

ـ أحمد اختار أهله وطاعته العمياء وقت الجد، ودلوقتي فات الأوان يا أم أحمد. حياتي بقت تخصني وحدي أنا وبنتي ملك، ومعادش فيه مكان ورا. عن إذنك.

تركتها واقفة مكانها تمسح دموعها بعباءتها، وسرت بخطوات ثابتة ومرفوعة الهامة وأنا أضم بيد ملك التي رفعت وجهها البريء لي وقالت: “ماما.. إحنا رايحين فين؟”، فأجبتها بابتسامة واسعة: “رايحين بيتنا الجميل يا روح قلب ماما”.

مفاجأة جديدة في ورشة العمل
بعد مرور أسبوعين على ذلك اللقاء، كنت في ورشتي منشغلة بتصميم فستان سهرة لإحدى العرائس، فدخلت عليّ مساعدتي “حنان” وهي تبدو مرتبكة وقالت:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *