قصة (بدري)

بدري

من بين ظلام الدجى هل البدر

“حسن”

كنتُ أقودُ سيارتي عائدًا إلى منزلي في وقت متأخر من الليل، بعد إنتهاء عملي الذي لم يزيدني إلا رهقًا، وبدا الظلام شديد كأني في ليلة من ليالي الدآدي، وبينما أنا كذلك إذ تراءى ليّ رجلًا أنبثق من جُب الظلام كشبحٍ يحلو له الخروج ليلًا والتلويح بغرابة تثير الرعب، لوهلة أنتابني قلقٌ مبهم لكنه لم يردعني عن الوقوف لأبغي ما سبب تواجد هذا الرجل ليلًا؛ لعله يحتاج لمساعدة!

وكنتُ متهيئًا لأي طلبٍ يطلبه مني ونجدته من نكبته.

أخرجت رأسي من نافذة السيارة، ولوحت للرجل وأنا أصيحُ:

_تعال يا رجل ما الذي جعلك تقف في طريقي في هذا الوقت من الليل، لعلك تحتاج إلى مساعدة؟

وأقبل الرجل نحوي عاديًا، وقد أنفجرت أساريره، وهو يهتف:

_حمدًا لله إنك توقفت يا أخي فقد تعطلت سيارتي ولا أجد من ينقلني لمكان ما أريد في هذه الساعة من الليل.

وبينما هو مسترسل في حديثه، صك أذني صوت فتح السيارة، فألتفت فورًا بلهفة فوجدت رجل آخر يحتل المقعد المجاور ليّ، وغمس في جنبي خنجرٍ ضوى نوره في عيني، وغمغم بلهجة شرسة:

_أخرج كل ما في جيبك، هيا الآن!

قُلت في ارتياع، وأنا أكاد أذوب من الرعب:

_ما الذي تفعله يا أخي أبعد خنجرك عني.

ثم صرخت متألمًا وأنا أحس بالنصل الحاد ينغرز في جنبي، والدم ينبثق من الجرح، والرجل يدمدم بهدوء:

_لا أريد أن أسمع صوتك، ألتزم الهدوء، واغلق فمك.

ثم نظر للرجل الآخر وهو يفتح باب السيارة، هاتفًا:

_هلم يا رجل وخذ كل ما يملك قبل أن يرانا أحد.

ثم نزع النصل من جنبي، ودفعني خارج السيارة، بينما أمسكني الأول وثبت جسدي في الوقوف وراح يفتش في ملابسي، وأخرج كل ما أملك مما جنيته من عملي اليوم.

نظر ليّ الرجل بإزدراء، بعدما أحصى النقود التي أخذها، وقال بصوتٍ غليظ كبركان غاضب يزمجر:

_هل هذا كل ما معك من مال؟ هذا فقط!

فشوح له الرجل الذي معه بكفه في لامبالاة، وهو يتمتم بضيق:

_كفاك جشعًا وأرضى بما وجدت.

ثم سأله في اهتمام:

_هل نأخذ السيارة منه؟

فهدر فيه الرجل غاضبًا، وبدا كأنهما قد تناسيا وجودي، أو ألمي الذي بلغ مني كل مبلغ، وهو يقول:

_وماذا سنفعل بها يا غبي، ولكن دمرها لا تضع بها أنشًا سليم.

وهنا أعتلج الخوف صدري خيفةً أن أفقد مصدر الرزق الوحيد ليّ، فصحت مهتاجًا، وفي عيني نظرة رجاءً:

_إلا السيارة أرجوكم إلا هي…

وذهب توسلي أدراج الرياح والرجل يضرب في السيارة بجذع شجرة حتى دمرها تمامًا، وأنهرت أنا فوق الأرض كالح الوجه وقد نسيت تمامًا الجرح الذي فعلاه في جنبي، ولم أشعر إلا والرجلين ينهالان عليَّ بالضرب المبرح، حتى شعرت إن كل قطعة في جسدي تأن وجعًا.

شيعت بنظراتٍ دامية منتفخة رحيلهما، بعدما تركاني غارقًا في دمائي، ثم زحفت شَطَر السيارة وأنا أكظم ألمي في أعماقي، وصعدت بداخلها وأنا أشهق من شدة الألم الذي أستحوذ على كامل جسدي، كانوا قد هشموا الزجاج إلى شظايا تناثرت داخل السيارة في كل مكان، والأبواب صارت مفككة، وعندما أدرت المحرك أفلح ودار، فتحاملت على نفسي، ويممت وجهي إلى منزلي، وعندما وصلت ترجلت من السيارة وأنا أترنح كالمخمور، وقرعت الباب بيديّ ورأيت الأنوار تضيء، وأقدام تهرول نحوي وفُتح الباب، وأطل أبي من وراءه، وهو يصرخ في جزع:

_ما الذي حصل لك يا فتى؟

فسقطت متهاويًا بين يديه بكل ثقلي، وسقطت انا وهو فوق الأرض، وسمعت صراخ أمي وبكائها وهي ترتمي فوقي تحاول الأطمئنان عليّ، بينما أنا أجيب أبي بوهن، وبصوت يكاد يكون مسموع:

_لقد خرجا عليَّ قطاع طرق، أخذا كل ما معيّ ودمرا السيارة.

وهتفت أمي بلا اكتراث:

_فداك يا حبيبي، سنأخذك للمشفى وستصبح بخير.

وهنا دفع أبي بجسدي من حضنه، وهب واقفًا وهو يهتف في جنون:

_فداه ماذا يا امرأة هل تهذين؟ ومن أين آتي بثمن إصلاحها؟! بل ماذا سيفعل بنا صاحبها الذي يشتغل ابنك له عليها؟! ومستشفى ماذا الذي ستعالجه من أين لنا بعالجه؟!

ولوح ليّ بسبابته، مردفًا بهمس شيطاني:

_أسمع يا فتى ليس ليّ من الآن دخل بك، ومن اليوم لن تبقي في بيتي ساعة واحدة، أذهب هيا.

وجذب أمي التي تشبثت بيّ من فوقي، وهي تقول بقلبٍ منفطر:

_حرام عليك يا ثابت حرام عليك إنه ابنك أين سيذهب بحالته هذه، سيموت ولدي سيموت.

لكنه لم يستمع لها، ولا لرجائي، وهو يدفعني خارج البيت دون ذرة شفقة، وأغلق الباب في وجهي، وهذه كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ مادت بيّ الأرض وتهاويت في انهيار، لا اصدق إن للتو قد طردني أبي من بيتي؟!

والأدهى وأنا بهذه الحالة، التي توحي بإن الموت يطوف حولي منتظر إنقباض روحي بأمرٍ من الله.

ولأول مرة أغروقت عيناي بالدمع، ليس من الألم الذي لم أعد أتحمله بل من ندبة تشبعت في القلب توًا.

لم أدري كم بقيت ممددًا على أسكفة بيتي، حتى نهضت وأنا أقبض فوق جرحي النازف، وأخذت أسير دون سبيل محدد، وقد نُبذت من أقرب ما ليّ، ونبذتني الحياة وألقت بيّ على حافة الهاوية..

هاوية الموت..

أستبد بيّ التعب، وأصاب الأعياء روحي، فجلست أسفل الجسر المعبئ بالرائحة الكريهة والنفايات.

قد تتساءلون.. لماذا لم أذهب إلى المشفى؟

إنما يبغى الشفاء من يؤثر الحياة على الموت.

وأنا قد زهدت في الحياة من اللحظة التي نبذني فيها أبي دون رحمة.

 

*******

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *