قصة (بدري)

” بدر”
“على رسلك يا أبي، توقف أرجوك توقف الآن”
هتفتُ بتلك العبارة بصوتٍ به لهفة تزلزل الصمُّ الصلاب، ما أن وقعت عيناي على أحدٍ مر صدفة في حياتي، لكنه لم يكن كذلك في قلبي، فقد كانت صدفة نمت في السويداء من القلب، تلك الملامح لا تُنسى..
فإنها ملامح ولع قلبي بها من أول نظرة..
أوقف أبي السيارة فورًا وهو يلتفت إليَّ، قائلًا:
_ما لكِ يا ابنتي لما طلبتي مني التوقف!
فهتفت وأنا أنظر للخلف على الجسد المسجي أرضًا:
_إنه هو يا أبي أقسم إنه هو لا يمكن أن تغيب ملامحه عني أو أُخطيء فيه.
فسألني أبي مندهشًا:
_من هذا يا ابنتي من يكون؟
أجبته بدموعٍ أغروقت في مقلتاي:
_ذاك الشاب الذي أنقذني يومًا من الإهانة ودفع عني ثمن الأجرة عندما ضاعت حقيبتي.
وفطِن والدي لما أردت أن أقول، وعن أختلاجات نفسي، فأومأ لي برأسه؛ فتهلل وجهي كتهلل ضوء الفجر، وغادرت السيارة عدوًا إليه، وأخذت أهزه كي أجعله يفيق لكنه بدا في غربة سحيقة عن النفس والإدراك، وملابسه مصطبغة بالدماء، ووجهه يغرقه الندوب والكدمات، وتوقف قلبي عن النبض وأنا أتوجس خيفة من حالته التي أشبه بحالة الموتى.
وتناهى ليّ صوت أبي يسأل قي جزع:
_يا إلهِ ما الذي أصاب هذا الفتىٰ؟
أصابتني آفة الحزن، وأنا أهز رأسي في أسى، مغمغمة:
_لا أدري يا أبي حقًا لا أدري ولكن يجب أن ننقذه.
ورفعه أبي عن الأرض بمساعدتي ونقلناه إلى السيارة وقد إزداد قلبي عسرًا، كان الأمر عسير جدًا، نقلناه لأقرب مستشفى، وهناك قاموا بالإجراءات اللازمة.
وعندما أبلغوني إنه أفاق، ركضتُ إلى حجرته وما كدتُ أفتحها حتى عدت أدراجي وأخرجت مرآة صغيرة دائمًا ما أبقيها معي وأخذت أعدل من هندامي.
أول لقاء ليّ معه ويجب أن يرآني بأبهى صورة.
دخلتُ إلى الحجرة وكان مغمض العينين، ثم فتحهما وأنعم النظر في ملامحي، ثم همس في إعياء أعيا قلبي:
_من أنتِ؟
فأسبلت جفناي وأنا أزدرد لعابي، وهمست في رقة:
_أنا بدر.
فصاح مضيقًا عينيه، وقد بدا عليه التفكير:
_بدر من؟
فرنوت إليه بنظرة حانية، وهمستُ بإشفاق:
_ليس المهم الآن من أكون، المهم أن تكون أنت بخير! وأن تخبرني ما تلك الحالة التي وجدتك بها؟
وعاد يغمض عينيه مجددًا، ويعود برأسه للوراء، لائذًا بالصمت، الذي خلف في فؤادي بسمة متلألئة، وطفقت أرنو بنظرة حانية على ملامحه المستكينة، وقلبي يتجاذبه الفرح والقلق عن كل شيء، فكيف ليّ أن تهدأ ليّ لوعة، أو ترقأ ليّ عبرة وأنا أظنه يعاني من جرحًا عميقًا في قلبه.
“حسن”
أمرٌ عجيب أن يفتح المرء عينيه فيجد نفسه في مكانًا غريبًا ووسط أُناسٌ غُرباء.
ولا غرو أن يحتار في أمر الحياة، فما بال من فيها يلقون أقرب من لهم في جُب الظلام، وينتشلنا نور الغريب!
وجدت بدر أمام عيناي ما أن فتحتهما وقد كانتا أعتادتا الظلام، فكانت بدرٍ هَل نوره في سماء قلبِ المظلم مبددًا كل حلكة سوداء إلى سراجًا وهاجًا، لذت بنفسي ساكنًا ومفكرًا وعندما عُدت أنظر إليها وجدتها ترنو إليّ بنظرة سلبت لُبي، من مقلتان تشعان حنانًا ورفقًا، فلم أجد بُدًا من التبسم في هذا الوجه البريء، وسألتها في هدوء:
_من تكونين يا بدر؟
فأشاحت ببصرها عني، وقالت متبسمة:
_ألم تتذكرني حقًا؟! أنا تلك الفتاة التي دفعت لها حق الأجرة عندما كنت قد فقدت حقيبتي وأنت ساعدتني.
وغبت بفكري متذكرًا ذاك اليوم، وتذكرتها وعلمت تلك الملامح، وأفاقت الذكرى من غشيتها، فالذكريات لا تُنسى إننا نتناساها عمدًا، لكنها ثَم هناك غافية تصحو فجأة متى يحلو لها.
هتفت في حماس:
_لقد تذكرتك، ألهذا السبب قد قدمتِ ليّ يد المساعدة؟
هزت رأسها نفيًا، وأنبلجت من شفتيها ضحكة رقيقة كزقزقة العصافير، وهي تقول:
_ليس هكذا..
ثم هزت كتفيها مضيفة:
_أو ربما.
وأستدركت في اهتمام:
_ألن تخبرني من ذا الذي فعل بك هذا وما كنت تفعله في ذاك المكان.
لقد نكأت جرحًا يرُم على فساد، ولم ألبث أن شردت عنها مجددًا ولساني يقصُّ عليها بكل ما حدث بحذافيره.
ما أصعب الحياة، وأثقلها أرتفعت كل مطالب الحياة حتى بلغت الذروة، وعلا الغلاء حتى لم يستطع أحدًا عليه، فكثر قطاع الطرق، وكثر الخطف وسرقت الأعضاء، وزادت السرقة؛ وسيعم الفساد الأرض وفي كل منزل من منازل الوجود ستحل كارثة وستصيب الطآمة الكبرى كل البشر، ستنقلب بواطن البيوت كظاهرها، وسيجوع الناس حتى يأكل القوي منا الضعيف.
وما أمر شيئًا من أبٍ نبذ ولده في العراء!
ألقاه في جب الظلام غير آسفًا ولا مترحمًا!
فأحتضنه الظلام بكل رحابة صدر وقذف به في نورٍ أنبلج كالبدر في هيئة إنسان.
وبدرٍ باتت مشكاة تضيء ظلمة قبر قلبي الموحش.
المُر حقًا أن يصبح أعز ما لك وحشًا ضاري ينهش لحمك دون تأنٍ، يذرك مسخن بالجراح غير عابئًا بكل ذكرى حلوة لا تموت.
قاسية الحياة عندما يركلنا من كدنا نلوذ به من عاصفة عاتية ليحمينا فيدفعنا إليها لتسحقنا، ويخيب الأختيار.
لكن ماذا يفعل المرء عندما يطعنه كل من يعرف! وينبذه الجميع ويمسى وحيدًا بلى أنيس!
سيلجأ الى الله حتمًا، أليس الله بكافٍ عبده؟
وبينما أنا مسترسلٌ في أفكاري، بلغني طرقةً خفيفة على الباب ثم سماع صوت رجلًا يسأل في اهتمام:
_هل هو بخير يا ابنتي؟




