قصة قصيرة (ردت ليّ روحي)

رُدت ليّ روحي.

أستيقظتُ كـ عادة كُل يومًا على صراخ وصياح والدتي بي لأصحو، فما إن أفتحَ جفنايا حتى تبدأ مُحاضرة كُل يوم، ومعاتبتها إني قد فوتُ صلاة الظهر، ثُم تخرج من غرفتي لتحضير الطعام وهي حزينة كالحةُ الوجه.

فـ نهضت بهمة في هذا اليوم وحماس ما أن رن بذكراتي مواعدتي لأحدى الفتيات ولقاءها اليوم … بل وبعد قليل أيضًا، دلفتُ لدورة المياة لأخذ شور على عجل وأرتديت أفضل ما لدي ونثرت عطري المميز، ورسالتها قبل خروجي لأؤكد عليها الموعد؛ خرجت من غرفتي وأنا أُدندن لتقابلني والدتي بوجهًا عابسٌ وأعين مفعمة بالحزن لحالي الذي لا يروق لها، زمَّت شفتايّ

وتقدمت إليها، مُلثمًا جبهتها بكُل حب فهي كُل ما لي بهذه الحياة، وكـ كُل أُم تُقابل ضي عينيها بحنان وبهجة مسدت على ظهري وهي تدعوا لي بدعوة تريح الفؤاد وتبعث به السكينة، تناولنا الطعام سويًا، وبينما أتهيأ للمغادرة، إذ بها وقفت أمامي عاقدة ذراعيها قائلة :

” اليوم الجمعة يا بُني حبًا بالله اين أنت ذاهب والأذان لم يتبقى له الكثير ؟ ألن تصلي أيضًا ”

هُنا وتجمعت العبرات بعينيها وهوت هويًا إلى وجنتيها وتابعت بما ألم بها :

” إني أخشى عليك كثيرًا متى ستفوق يا روحي أن الموت قريب جدًا وفي أي وقت تجد ملك الموت بوجهك ”

قاطعت أسترسالها بالحديث الذي أعتدته كل صباح وأنا أضم رأسها إلى صدري قائلاً بعجالة :

” أُمي ليس كـ كل يوم يا حبيبتي، سأصلي لا تقلقي أنتِ، عليَّ الذهاب الآن ”

قبلت رأسها بحنو، وقُلت :

” هيا سأذهب الآن تبسمي رجاءًا ”

أبتعدت عني باسمة الوجه لتشرح صدري وتبث بي الراحة، ثُم غادرت مصحوبًا بدعواتها لي بالهداية.

ذهبت بسيارة العمل الخاصة بي فـ أنا أعمل سائق بسيارة أجرة قابلت تلك الفتاة ومضى بعض الوقت، وسرت بطريقًا لأ أعلم ألى أين سيؤدي بي ؟! ولكنه مليئ بالتسلية ومضيعة الوقت، لا أعلم هل حرام أم حلال لست على يقين ولكنه يروق لي كثيرًا، ويشعرني بالبهجة حتى لو لدقائق، وحين عودتي للمنزل قررت أن أسترزق بطريقي قابلني شاب وصعد بالسيارة كان يبدوا عليه التعجل، ينظر بساعة معصمة ما بين الثانية والآخرى، وصدح فجأة أذان العصر بصوتًا رخيم من المؤذن، لاحت منى نظرة للشاب الذى يجلس خلفي، فلم يكن بالسيارة إلا هو، وجدته مُغلق العينين، مُسندًا رأسه لظهر المقعد، باسم الثغر، راودتني الحيرة قليلاً، فما سر ذاك الأرتياح الباديًا على وجهه، حرك شفتيه ولم أستطع سماعه، فما أن فرغ المؤذن من الأذان حتى وجدته يتنهد بأرتياح وهو يقول شيئًا، ثُم حاد ببصره بالمرأة مُخاطبًا أيايَّ ، سألني سؤال لجمني، قال :

” ألن تصلي ؟ ”

اذردت ريقي بتوتر سرى بعروقي، ولكن نفضت رأسي ردًا بجمود، لا أدري لِما :

” لا لن أُصلي ”

أسبلت أجفاني تعجبًا ما أن أبتسم داعيًا لي بالهداية، وقال باسمًا وهو يمد يده بالأجره :

” أيمكن أن تُقف السيارة أمام المسجد فلا أود أن تفوتني صلاةُ الجماعة ”

أومأت برأسي موافقًا، وأزعمت أن أتجنب الحديث معه إلى أن أوصله، وعلى حين غرة جذبت أنتباهي فتاة تلبس ملابس ضيقة، سلبت روعي، فنسيتُ ذاتي وبت أُصفر، وأغمز وألقي كلمات الغزل، وأبطئت من سرعة القيادة ، تناهى إليّ استغفار الشاب بصوتًا عال، فنظرت إلى أنعكاس صورةُ بالمرأة، إذاك أدمعت عيناه ولهج لسانه بالأستغفار، شوش ذهني، وأنتفض فجأة صارخًا :

” أنتبه أنظر أمامك”

ما أن نظرت حتى ضَرب ضوءً قوي عيني لأغلقهم تلقائيًا وكانت سيارة تقبل مُسرعة، الآن فقط مر شريط حياتي أمام عيني، آخر ما سمعته الشهادة من صوت الشاب خلفي، شهادة وَقَرَت بقلبي الشهادة التي لم يستطع لساني لفظها إذ إنه قد عُقد ، ثُم أستسلمت للظلام بعد ما رمشت عدت مرات وقد ذاد الألم زروته وثقل جسدي

– لم أدري كم مر من الوقت، لقد ظننت إني قد حان أجلي، لم أكن أعلم ما ينتظرني من حياة جديدة، لم أتخيل يومًا، مُجرد تخيل، أن ألزم الجامع ليلاً نهارًا دون أن أدري بالوقت، لم أتصور، مجرد تصور، أن أصبح مما كنت به لما أنا عليه الآن، لقد أهداني الله فرصة جديدة ولم يضيعني، تلك كلها أمور مستكنةٌ في ضمير الغيب لا يعلمها إلا الله.

_ سأخبركم بكل ما جرى وكيف تبدل حالي، وكيف فقدت قدامي، قدامي اللذان كانَ يسعى خلف المحرمات وفعل كل جرم ها هما قد سكنا تمامًا وفقدتهما، أجل أصبحتُ مشلولاً، قعيدًا، أنا سعيد يسرني ذلك كثيرًا، القدمين اللذان لطالما سعيا خلف الحرام، قد أخذا عقابهما، ما يُحزنني فقط إني لا أستطع أن أقف مُصليًا، تلك الصلاة التي لطالما نبهتني والدتي أن لا أتخل عنها، كم نداني الله وكنت أصم ؟ ها أنا أود فقط دقيقة أقف فيها مصليًا، وليس قعيدًا، الشكر فقط لذاك الشاب ” خالد” الذي كان ونعم الرفيق، هو لم يتركني منذُ الحادث، هو كـ الظل لجسدي، أتذكر كيف كانت تتوالى الأيام ويأتيني دون ملل أو كلل يُحادثني عن الله جذابًا أياي من ظلمات الحياة وملاذاتها، وكيف أن رفقاءي أو كما ظننتهم لم يأتوا لي زيارة قصيرة حتي هما حتى سماعة الهاتف لم يرفعها، علمت أن الناس ايضاً أرزاق ومحظوظون هم من يجدُ رفقة مثلُ خالد .

يا الله كم لذة قربك جميلة لا تقدر بكنوز الحياة. كم الراحة بقربة هانئة مُبهجة قريرة العين، خالد لقد بات محور يومي وأيامي وحياتي حتى أخته تلك الفتاة المنتقبة التي خطفت لبي منذُ الوهلة الأولى التي رأيتها بها، حيثُ كانت تقبل مُتلهفة قلقة يوم الحادث تُعانق خالد وتفتش بجسدة وتتلامس جروحة ببكاء حارق يُدمى الفؤاد، أخترقت وترًا مرهفًا بداخلي، وأزعمت أن أجعلها لي، كنت أدعوا ليلاً ونهارًا أن تكون ملكي دعوات خالصة من القلب، ولكن بقا عائق وحيد، كيف لمثلها أن تتزوج بمعاق ؟

عل يحدث أمرًا وتتبدل الأحوال فإن الله على كل شيئًا قدير،

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *