عشق الغرام

توقف سيل أفكاره عندما تسللت إليه أصوات وضحكات أنثوية، فرفع بصره إلى مصدرها فتراءات له البنات وهن يتقدمن إلى البيت ويتسامرون، فأمعن النظر في تفحص شديد إلى غرام من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، واستشعرت غرام أن هناك من يثقبها بنظراته، فتلفتت في حيرة لتقابل عينيها اعين زكريا، ولم يخف عليها تلك النظرة الفاحصة التي يرمقها بها، ولأول مرة تركز في ملامحه..
كان جميلًا.. ذا بشرة بيضاء، وأعين عسلية، وخصلاتٍ ناعمة.
لكن هل كل جمال يقبل؟
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد
في اليوم التالي وما أن فتحت غرام عينيها حتى وجدت الباب يطرق وتدخل بعد النسوة مهنئين لها على خطبتها.. وأستقبلت هي التهاني مندهشة، مذهولة وهي تردد:
_مين اللي اتخطب؟!
فلم تجد إجابة شافية، حتى اجابتها إحدى الجارات قائلة:
_كدا برضو يا غرام يا بنتي هان عليكِ العشرة، تتخطبي لزكريا بن مختار صاحب أبوكي من غير ما تقوليلنا مكنش العشم يا بت.
فتطلعت إلى المرأة ذاهلة، وقالت في توضيح:
_حضرتك غلطانة أكيد أنا متخطبتش!؟
فلكزتها المرأة، قائلة:
_بتنكري ليه يا بت، خايفة من الحسد ولا أيه؟ وبعدين انا جوزي هو اللي قالي على اللي حصل إمبارح في الفرح.. وعلى الخطوبة.
رفرفت غرام بأهدابها في حيرة، وهي تقول بوجهٍ ممتقع
ما أن تذكرت حالة طارق وقد حسبت أن أبيها قد خاض معه جدالًا:
_هو إيه اللي حصل إمبارح في الفرح!؟
فأنبعث الرد من ورائها مباشرةً، بصوت أبيها عبد السلام يقول:
_حصل خير يا حبيبتي، شكرًا يا ام رفعت على تعبك ومجيئك لتهنئة بارك الله فيكِ.
فغمغمت المراة وهي تتهيأ للرحيل:
_دا الواجب يا عم عبد السلام، أفوتكم بعافية.
ألتفتت غرام إلى أبيها في تساؤل حذر، وقبل أن تنبس ببنت شفة، قال عبد السلام في صرامة:
_تعالي ورايا!
وتطلع الجميع إلى أثر غرام وعبد السلام وهم يأخذون ركنًا قصي للحديث، بينما مال زكريا على أذن أبيه هامسًا:
_أنا موافق على الزواج من غرام يا بابا.
وتهللت أسارير مختار وهو يلتفت له، قائلًا في لهفة:
_بجد يا زكريا بجد؟
فعمغم زكريا بإماءة من رأسه:
_بجد يا بابا، أنا فكرت ولقيت أن مفيش وحدة تستحق تشيل أسمي إلا غرام؟!
فضمه والده في شغف، وهو يقول مهللًا:
_حبيبي يا زكريا، انا هكلم عبد السلام ولو غرام وافقت يبقى نشبك.
ووجم يمان في صدمة، وتجهم المحيا، واكفهرت ملامحه، كان عسيرٌ عليه أن يقبل بزواج غرام لشخص مثل زكريا بعدما أستضافوهم وكان بينهم عيشٌ وملح.
أنَى يوافق على ذلك دون أن يشعر بتأنيب الضمير؟!
في ذات الآن كانت غرام تساءل أبيها:
_هو في ايه يا بابا أنا مش فاهمة حاجة!؟
فاحتواها عبد السلام بعينين براقتين، وهو يقول في هدوء:
_عمك مختار عايزك تسافري معاه تشتغلي في الشركة عنده..
وتلكأ وهو يتابع:
_وكمان هو…
صمت في حيرة عما يقول، لكن استحثته هي قائلة:
_وأيه؟
فغمغم سريعًا وهو يشيح بوجهه:
_طلبك لابنه زكريا.
فرددت غرام في دهشة:
_زكريا!
ونقلت بصرها إلى زكريا الذي تطلع إليها بدوره، واختلجت الأمور في نفسها، فرددت ذاهلة:
_زكريا!
يتبع…



