عشق الغرام

هز زكريا رأسه دون أن يعقب، وغابت عيناه في متابعة أجساد النساء، راقبت غرام شابًا كان قريب منهما يتجرع بما بدا لها بالخمر يقترب منهما فتوجست خيفة في نفسها، وأحست بالخطر، قال الشاب الذي دنا منهم لزكريا وعينيه على غرام:
_أيه يا زكريا محدش شايفك ليه؟ مش هتعرفنا؟
ودون اكتراث غمغم زكريا في بساطة:
_دي غرام خطيبتي وغرام دا علي الحاوي.
مد الشاب يده إليها، وقال:
_تشرفت بحضرتك.
فضمت غرام أصابعها وهي ترتد خطوة إلى الخلف، وزاغ بصرها بحثًا عن يمان، بينما تمتم زكريا في برود:
_مالك ما تسلمي عليه؟!
فحوَّلت بصرها إليه في حدة، ثم أعادة البصر إلى الشاب الذي قال بنبرة متسلية:
_أنتِ مش شايفة أيدي الممدودة ولا أيه؟
_معلش أصل في أيادي أوقات مبتبنش من وسخاتها.
قالها يمان وهو يقف قبالة علي في تحدٍ ونبرة تنذر بالشر، فتراخت كف علي وتهدلت بجانبه ثم زم شفتيه وقال في ضيق وقد أبتلع الإهانة بإرادته:
_تمام.
ثم أنصرف، بينما أستدار يمان إلى زكريا قائلًا:
_غالبًا معدش في نخوة عند بعض الشباب ولا أيه؟
فأشاح زكريا البصر عنه وهو يهتف بضيق:
_خليك في نخوتك أنت.
كانت غرام قد عادت لها ثقتها في نفسها عندما جاء، وهدأت نفسها وسكن وجيف قلبها المتصاعد، وأحست بالارتياح، وشعرت بطائر الطمأنينة يدخل إلى قلبها ليحلق هناك في أمان في سماء لا خوف فيها ولا هياب.
غاب زكريا بعد ذاك عنهما متابعًا فتاة سلبت لبه ثم أبتعد ليبقَّ قريبًا منها، في حين كان يمان يسأل غرام في اهتمام:
_أنتِ كويسة؟
فأومأت له بعينيها المسبلتين، وهمست بصوتٍ خفيض:
_أيوة الحمد لله.
فأشار إليها إلى مققعد عن كثبٍ منهما، وقال بنبرة آمرة:
_طب تعالي اقعدي هنا.
وأذعنت لطلبه في رضا تام، وسارت بجانبه لتجلس حيث أشار، ثم استئذن منها بعدما طمئنها أنه سيبقَّ قريبًا منها ولن يبتعد.
وظلت غرام جالسة في سكون شارد وهي تتابع حركة الحاضرين بغياب ذهن، فجأة حدقت بعينيها إلى ما أصابها بذهولٍ شديد، وقد ساورتها الشكوك.
فأمامها كان زكريا يخرج برفقة فتاة ترتدي فستانٌ ضيقٌ قصير لا يتعدى ركبتيها، ويغادر الحفل دون حتى أن يخبرها بذلك، وقضت الحفلة ذاهلة يأكل قلبها القلق، وتراودها الأفكار البشعة.
أيمكن أن يكون زكريا على علاقات ببناتٍ غيرها؟!
أتراه بتلك البشاعة!
فغرت فاه وابتلعت صرخة كادت تمزق أوتار قلبها مع الخاطر الأخير، وتداركت دموعٍ علقت في آماقي العين.
عندما عادوا إلى البيت لم تظهر لأحد ما يجول في خاطرها، لكن يمان قد شعر أنها لست بخير.
وكيف أحس بذلك لا يدرك؟!
ثمة رباطٌ ما يربطه بتلك الفتاة يحثه على حمايتها.
لم ترقأ من عينيها دمعة تلك الليلة وهي تحاول النوم، الذي أبَى أن يزور جفنيها قط، فظلت شاردة تنظر إلى سقف حجرتها وحوافر الهم تنبش في راحتها، فظلت مسهدة، حتى تناهى لها قبيل الفجر صوت مكابح سيارته، فحسمت أمرها بعد تردد دام لبرهة ثم خرجت من غرفتها وهي تناوي مقابلته والمواجهة.
نعم ستواجه؟!
ستسأله عن الفتاة التي خرج معها؟! وعن علاقته بها، وبمن تكون!
وكان زكريا يترجل من سيارته مترنحًا، وسار للداخل بقدمين تتخبطان، وفجأة فغر فاه وابتلع صرخة كادت تمزق سكون الليل عندما تعثر في شيئًا ما لا يعرف كنهه، فوضع سبابته إلى فمه بالصمت ثم أطلق قهقه عالية وهو يتدارك جسده قبل أن يسقط أرضًا، وتوازن مرة أخرى وهو يتابع السير في حذر شديد، متسللًا على أطراف أصابعه.
كان يريد أن يخفي تلك النائبة عن والده؟!
لكن الليلة قد تناسى نفسه فأسرف في الشرب.
وتذكر كيف ترصد والده حتى تأكد من أنه لا يراه،ثم خرج برفقة الفتاة التي تعرف عليها ليذهبا إلى إحدى الملاهي الليلةالصاخبة، وهناك شربا خمرًا حتى أصابهما السكر، ورقصا معًا وتناسى هو غرام.
وكل شيءٍ آخر.
عدا متعته..
يتبع…





