طلقت مراتي حكايات زهرة 1

تذكرت دموعها، ونظرتها المكسورة عندما تركتها واقفة وسط زحام الفرح وهربت أنا لأقف مع أصحابي. تذكرت كيف كانت تداري كوعها وصوابعها بالمكياج وهي تبتسم لي ابتسامة باهتة لتستجدي مني نظرة قبول واحدة، وأنا لم أمنحها سوى النفور والبرود.
في اليوم الرابع، رن جرس الباب بقوة ومتواصلة. لم أتحرك من مكاني، لكن الصوت لم ينقطع. اقتربت من الباب ببطء ونظرت من العين السحرية، فوجدت “ماجد”، صديقي المقرب الذي كان فرحه منذ أيام. تراجعت للخلف خوفاً من أن يرى شكلي الجديد، لكنه صرخ من خلف الباب:
“أحمد! افتح يا أحمد أنا عارف إنك جوه.. هيام حكت لمراتي على اللي حصل، وأنا جاي أشوفك.. افتح!”
فتحت الباب ببطء، موارباً إياه ومخفياً الجانب الأيمن من وجهي في الظل. دخل ماجد وعلامات الغضب واللوم واضحة على وجهه، وبدأ يتكلم دون أن ينظر إليّ بتمعن:
“ليه يا أحمد؟ تعمل في هيام كده ليه؟ الست مريضة وبدل ما تقف جمبها تطلقها وتكسر بخاطرها؟ دي مابتوقفش عياط عند أهلها…”
قاطعته وصوتي يرتجف: “ماجد.. بصلي.”
التفت إليّ ماجد، وعندما وقعت عيناه على وجهي، انقطع كلامه فجأة. تراجع خطوة للخلف، واتسعت عيناه بذهول وهو ينظر للبقع البيضاء التي غطت نصف وجهي وكفي. ساد صمت رهيب في الصالة، صمت كان أقسى من أي عتاب.
نظر إليّ طويلاً، ثم جلس على الكرسي ووضع رأسه بين يديه، وقال بصوت خافت: “سبحان الله.. الدنيا دارت بيك بسرعه أوي كده يا صاحبي؟”
لم أستطع الرد، ارتميت على الكنبة وانفجرت في بكاء مرير، بكاء لم أبكه طوال حياتي. كنت أبكي على نفسي، وعلى شكلي الذي ضاع، وعلى الإنسانة الطاهرة التي ظلمتها بجهلي وغروري. قولت له وسط دموعي: “أنا بتموت يا ماجد.. ربنا عاقبني في أعز ما أملك.. شكلي اللي كنت بشوف نفسي بيه على الناس.”
نظر إليّ ماجد بنظرة فيها مزيج من الأسى والشفقة، وقال: “ده مش عقاب لمجرد العقاب يا أحمد، دي رسالة عشان تفوق. أنت كنت شايف قشرة من بره وسيبت الجوهر. بس هيام لازم تعرف.. لازم تشوفك.”
انتفضت من مكاني برعب: “تشوفني؟! مستحيل! هيام لو شافتني كده هتشمت فيا، وأنا مأقدرش أتحمل نظرة الشماتة في عينها بعد اللي قولته ليها.”
وقف ماجد وقال بحزم وهو يتجه نحو الباب: “أنت لسة مش فاهم هيام يا أحمد.. لسة مش فاهمها.”




