طلقت مراتي حكايات زهرة 2

## الجزء الثالث: مرآة الروح
لم أكن أتوقع الشفقة، كنت مستعداً لتلقي اللعنات، أو حتى أن تُغلق الباب في وجهي، لكنني لم أكن مستعداً أبداً لتلك النظرة. اتسعت عيناها المليئتان بالوجع، واقتربت مني ببطء شديد، كأنها تخشى أن تكون هذه البقع مجرد كابوس سيختفي إذا لمست وجهي.
مدت يدها، وبأطراف أصابعها التي كانت دائماً تمسح عني التعب، لمست البقعة البيضاء التي شوهت وجنتي. ارتعشت يدها، ثم بكت. لم يكن بكاء انتصار، كان بكاءً ممزوجاً بالخوف عليّ.. نعم، عليّ أنا الذي طردتها من حياتي.
سحبت يدها بسرعة وبدأت تبكي بنحيب مكتوم، ثم قالت بصوت متهدج:
“يا رب.. يا رب.. ليه يا أحمد؟ ليه كان لازم يحصلك كده؟”
تلك الجملة كانت أشد وقعاً عليّ من مئة صفعة. سألت “ليه” لأنها لا تزال تحبني، لأنها لا تزال تملك قلباً نقياً يعجز عن التشفي، بينما قلبي كان حجراً لا يعرف سوى مصلحته. جلست هيام على أقرب مقعد، وانهارت في بكاء حار، بينما وقفت أنا مشلولاً، لا أعرف هل أجلس بجانبها أم أرحل، فمكانتي كزوج قد تبخرت منذ اللحظة التي تركتها فيها وحيدة في قاعة الفرح.
نظرت إليّ من خلال دموعها وقالت بصوت ضعيف:
“أنت فاكر إن ده انتقام؟ فاكر إن ربنا بيعاقب الناس بأنهم يتصابوا بالمرض؟ أنت لسه مش فاهم حاجة خالص.”
اقتربتُ منها خطوة، وحاولت أن أعتذر لكن الكلمات خانتني، لم يخرج سوى أنين مكتوم. تابعت هيام حديثها، وكانت كلماتها تجرحني أكثر من مرضي:
“كنت بتبص لي في المراية وتشوف بقعة، وتنسى اللي تحتها. كنت بتشوف الجلد، وتنسى الروح. وأنا؟ أنا كنت بشوفك أنت.. أحمد اللي حبيته، أحمد اللي كنت بتمناه يكون سندي. المرض مغيرش فيك حاجة يا أحمد، هو بس شال القناع اللي كنت لابسه.”
صمتت قليلاً، ثم نظرت إلى وجهي بتمعن وقالت:
“أنت خايف ليه؟ خايف الناس تبص لك؟ خايف نظرتهم تتغير؟ خايف يتجنبوك؟.. أهلاً بيك في عالمي يا أحمد. أهلاً بيك في عالم اللي الناس بتشوفهم ناقصين، عالم اللي بيتحكم عليهم من شكلهم، مش من جوهرهم.”
سقطت على ركبتي أمامها، وأمسكت طرف فستانها كمن يستجدي الغفران:
“أنا كنت غبي.. كنت أعمى. كنت عبد لصورة رسمتها لنفسي ومكنتش عايز حد يشوهها. أنا مش طالب منك تسامحيني، أنا عارف إني ميتغفرليش، بس أنا محتاج أعرف.. إزاي قدرتي تواجهي ده لوحدك؟ إزاي كملتي وانتي شايفة أقرب حد ليكي بيحسسك إنك “عيب”؟”



