في رمضان بقلم أماني السيد ٣

تاني يوم الصبح، صحيت بدري قبل ما نور الفجر يظهر، وقلبي كان حاسس بثقل كبير كأن الدنيا كلها قاعدة على صدري. بصيت في المراية لقيت آثار السهر واضحة على عيني، لكن المرة دي ما نزلتش دموعة ضعف زي كل مرة، بالعكس، حسيت بنبرة تحدي جوة روحي بتقولي إن الكأس طفح وإن السكوت مبقاش يجيب غير وجع جديد. جهزت العيال بسرعة، ولبستهم هدومهم النظيفة، وباسوا إيدي وهما مستغربين طريقتي الهادئة الصارمة.

ركبت التاكسي ومعايا العيال لحد بيت أمي، وهناك سلمتهم ليها وقلت لها بصوت مخنوق بس ثابت: “خليهم معاكي يا أمي، عندي مشوار مهم لازم أخلصه النهارده لنفسي وللعيال، ومش هتاخد وقت طويل.” أمي بصت لي بقلق وهي عارفة عيون بنتها كويس، وقالت بحنان: “ربنا معاكي يا بنتي، ويقويكي على ما أبلوا، اعملي الصح اللي يحفظ كرامتك وكرامة عيالك.”

أخدت نفسي ومشيت، وفي إيدي شنطة صغيرة فيها كل الورق والمستندات اللي قدرت أجمعها طوال الفترة اللي فاتت، من فواتير الأكل واللحمة والفراخ اللي كنت بدفعها من جيبي ومن فلوسي الخاصة، لإيصالات بيع الدهب بالتاريخ والمكان، وحتى الرسائل اللي كانت بيني وبين نفسي مسجلة فيها كل تفصيلة. نزلت رحت للمحامي، وكنت المرة دي رايحة وأنا مقررة إني مش هرجع البيت بنفس الضعف ولا بنفس الانكسار اللي خرجت بيه كل مرة أيمن قدر يضغط عليا فيها أو يكسرني بكلمتين. أنا مش عايزة أطلق وأسيب له كل حاجة بالساهل، ولا عايزة أتنازل عن حقوقي وحقوق عيالي عشان أرضيه أو عشان أشتري دماغي، خصوصًا إنه كان فاكر وطامع في إن طول ما أنا ساكتة وما بتكلمش يبقى يقدر يعمل اللي هو عايزه وقت ما يحب من غير ما يحاسبه رقيب ولا حسيب.

دخلت مكتب المحامي، وقعدت قدامه، وحكيت له كل اللي حصل من أول ما أيمن نزل من السفر والإجازة الأخيرة، وإزاي استغل وجود أهله عندنا وضغط عليّ بطرق مختلفة، وخلاني أبيع دهبي مرتين عشان أصرف على طلبات البيت وأهله اللي ما بتخلصش، لحد ما اعترفلي بكل برود وبدون أي إحساس بالذنب إنه كان مخطط للخطوبة والجواز من قبل ما ينزل من برا أصلاً، وإنه كان شايفني مجرد وسيلة توفر عليه فلوسه وتريحه في غيابه.

المحامي سمعني باهتمام بالغ، وكان بيكتب ملاحظات بخط إيده على ورقة قدامه، وبعدها رفع راسه وقال بجدية: “بصي يا مدام عواطف، الكلام اللي بتقوليه ده خطير، وإنتِ لازم تتحركي بشكل قانوني مدروس عشان تحافظي على حقوقك وحقوق أولادك الصغار اللي ملهمش ذنب في أنانية أبوهم. نقدر ندرس بجدية إجراءات تمكينك من مسكن الزوجية بحسب وضعك القانوني والمستندات اللي معاكي، ونشوف حقوقك الدقيقة في النفقة ونفقة الأولاد ومصاريف تعليمهم وعلاجهم، لكن لازم كل خطوة تتصرف صح وبالمستندات الدقيقة اللي تثبت كل مليم صرفتيه أو انظلمتي فيه.”

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *