في رمضان بقلم أماني السيد ٣

بعد ما العيال ناموا في أوضهم، طلب منها يقعدوا يتكلموا مرة تانية بعيد عنهم. قعد قصادها وقال برجاء: “أنا بجد مش عارف أعمل إيه تاني عشان تسامحيني وترجعي لبيتك؟”
ردت عليه بثبات: “مش لازم تعمل حاجة مستحيلة عشان تسامحك، لأن المسامحة دي حاجة، والرجوع لحياتنا القديمة حاجة تانية خالص. أنا ممكن أسامحك في يوم من الأيام وأدعي لك بالخير في طريقك، لكن ده مش معناه أبدًا إني أقدر أرجع أعيش معاك تحت سقف واحد وأنا مكسورة.”
قال بحزن: “وهنسيب سنين حياتنا الحلوة دي كلها تضيع هباءً كده؟”
ردت بقوة: “السنين دي ما ضاعتش يا أيمن ولا هانت عليّ، أنا خلفت وربيت عيالي الصغار وعشت معاك أيام حلوة وأيام صعبة وتجاوزتها. لكن مش معنى إننا عشنا سنين مع بعض إننا مجبرين نكمل مع بعض حتى لو بقينا بنوجع بعض وبندمر نفسية بعض كل يوم.”
فضل ساكت تمامًا، وكأنه لأول مرة في حياته يفهم ويدرك بعمق إن عواطف مش بتساومه عشان يغير رأيه، وإنها فعلًا وصلت لنقطة النهاية ومش مستنية منه أي وعود تانية. قعد عندها يومين كاملين، حاول خلالهم بكل الطرق يقرب منها، ويهزر معاها، ويعرض عليها يخرجوا كلهم مع العيال، لكنها كانت بتتعامل معاه باحترام شديد وخالٍ من أي مشاعر من غير ما تفتح له باب للرجوع أبدًا.
وفي آخر يوم قبل سفره و رجوعه لعمله، قعد معاها في الصالة وقال بصوت مخنوق: “أنا مسافر بكرة الصبح بدري يا عواطف.”
ردت عليه بكل هدوء: “ربنا يوصلك بالسلامة ويحفظك في طريقك.”
بص لها بعتاب شديد وقال: “بس كده؟ مفيش حتى كلمة سلامة تانية ولا دعوة حلوة؟”
ابتسمت بحزن وقالت: “أقولك إيه يا أيمن؟ ربنا يوفقك في شغلك، ويصلح حالك، ويخليك لعيالك وتكون ضهر وسند لهم. أكتر من كده مش هقدر أوعدك بشيء مش حاساه بجد في قلبي.”
قال بصوت مخنوق ودموع في عيونه: “أنا كنت فاكر لما أجيلك وأقولك إني بطلت الجواز وإني مش هتجوز، هتفرحي وترجعي زي الأول بيتنا ينور.”
ردت عليه بكل حكمة: “وأنا كنت فاكرة لما ترجع من السفر هفرح وأحس أخيرًا إن بيتي اكتمل بيك وبوجودك. لكن للأسف مش كل حاجة بنتمناها في الدنيا بتحصل زي ما إحنا متخيلين.”
في صباح اليوم التالي، جهز شنطته وملابسه، وقبل ما يخرج من باب الشقة دخل أوضة العيال يودعهم، حضنهم جامد ووعدهم إنه هيفضل يتصل بيهم كل يوم ويبعت مصاريفهم بانتظام، وإنه هيحاول ينزل يشوفهم كل ما ظروفه تسمح.




