في رمضان بقلم أماني السيد ٣

أما عواطف، فوقفت عند باب الشقة بكل ثبات، ولما شافته شايل شنطته وماشي، قال لها بصوت ضعيف: “خلي بالك من نفسك ومن العيال كويس.”
ردت عليه بكل هدوء: “وإنت كمان يا أيمن.. خلي بالك من نفسك ومن صحتك في السفر.”
خرج أيمن ونزل على السفر من غير ما يتجوز، وسافر تاني لبلد شغله وغربته، وهو شايل جواه ندم كبير وثقيل على كل اللي حصل، لكنه طبعا ما قدرش يرجع الزمن لورا ولا يجبر عواطف إنها تحبه أو ترجعله بنفس الطريقة القديمة الساذجة.
أما عواطف، فقفلت باب الشقة وراها بهدوء تام، وسندت ضهرها على الباب للحظات تستمد قوتها. كانت عارفة كويس إن الطريق قدامها لسه طويل ومش سهل، وإنها هتحتاج وقت ومجهود عشان تتعافى تمامًا من جروح الماضي وكل اللي حصل، لكنها المرة دي ما عيطتش على رحيله، ولا حسّت أبدًا إنها لازم تجري وراه أو تترجاه عشان تحفظ على شكل العيلة من برا.
دخلت أوضة العيال، لقتهم بيضحكوا ويلعبوا بكل براءة وسعادة، فقعدت وسطهم وشاركتهم ضحكهم وكلامهم، وحست من جواها إن البيت، بكل اللي مر بيه من وجع وأيام صعبة، لسه فيه روح وحياة تستاهل منها إنها تحارب وتعيش عشانها بكل عزة نفس وكرامة.
ومع مرور الشهور والأيام، استقرت حياتها تمامًا، وبقت بتتعامل مع أيمن في أضيق الحدود وفي حدود مسؤولياته القانونية تجاه أولاده فقط، من غير أي عتاب جارح ولا أي انتظار لوعود جديدة كدابة. وهو من ناحيته التزم تمامًا بمصاريفهم الشهرية، وفضل يحاول من وقت للتاني يفتح معاها باب الرجوع والتفكير من جديد، لكنها كانت دائمًا بتعتذر له بكل هدوء وحسم تنهي به أي أمل كاذب.
وفي النهاية الحقيقية، عواطف ما كسبتش المعركة لمجرد أنها قدرت تحرم أيمن منها أو تقهر, ولا أيمن خسر لمجرد إنه ما اتجوزش ورجع لوحده. الحكاية انتهت ووصلت لنهايتها لما عواطف فهمت وقنعت تمامًا إن الحب وحده مش كفاية أبدًا عشان نبني بيه بيت، وإن البيت اللي يخلو من الأمان والتقدير والاحترام المتبادل ممكن يفضل واقف من برا قدام الناس، لكنه بيكون من جوه مكسور ومنهار من زمان.
أما أيمن، فرجع لسفره وغربته من غير خطوبة ولا جواز، بعد ما اكتشف بمرارة إن الزوجة الطيبة اللي كان واثق تمامًا إنها هتستحمل كل قسوة وكل إهانة للأبد، قدرت أخيرًا وبكل شجاعة تقوله بصوت عالي: أنا سامحتك على اللي فات عشان أرتاح، لكن مستحيل أرجع أعيش نفس الوجع والذل من تاني أبداً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



