بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ٢

التفتُّ ببطء شديد نحو باب المكتب المفتوح جزئياً، وكأن كل ثانية تمر كانت تمتد كدهور. الكلمات وقفت في حلقي، وأنفاسي بقت متقطعة. الباب اتفتح أوسع شوية، وظهرت طفلة صغيرة شعرها كيرلي وعيونها واسعة وبراقة، وما إن رأت الدكتور طارق حتى سارت بخطوات سريعة متهدجة وهي تلوح بيدها الصغيرة، تتبعها طفلة أخرى أو ربما طفل يمسك بملابسها.
صوت الطفلة وهي بتقول «بابا طارق» نزل على قلبي زي طعنة خنجر بارد. بصيت لها كويس.. كانت ملامحها مرآة مصغرة مني وأنا في سنها، نفس رسمة الحواجب، ونفس نظرة العيون التي لا تخطئها عين.
الدكتور طارق بص لي بنظرة أخيرة حملت تحذيراً صامتاً، ثم نزل على ركبتيه بابتسامة دافئة محا تماماً تلك الهيبة والصرامة التي كان يحدثني بها قبل لحظات، وفاتح إيديه للأطفال وهو بيقول بحنان طغى على المكان كله: «يا هلا بالبطل وبأيرة قلبي.. خلصتوا لعب بره ولا إيه؟»
جريت البنت الصغيرة نحوه وارتمت في حضنه، بينما الطفل الصغير قرب منه وهو بيضحك بلهفة. في اللحظة دي، حسيت بنار تشتعل في صدري مع غصة مريرة كادت تخنقني. ولادي.. من صلبي.. بينادوا راجل تاني ببابا، وبيجروا على حضنه وهو اللي بيحتويهم، في الوقت اللي كنت أنا فيه قاعد على كرسي فاخر في القاهرة، باصص لشاشات البورصة وصفقات الملايين، ومفتكر إن الفلوس والشركات هي كل ما يمكن أن يقدمه الأب لأولاده.
وقفت مشاكلاً بين الغضب العارم وبين رغبة جامحة في البكاء. دقات قلبي كانت بتدوي في أذني كأنه طبول حرب. طارق شال البنت على إيده وبص لي وقال بصوت هادئ ومنخفض حتى لا يسمعه الأطفال: «شايف يا جاسر؟ الحب والاهتمام ما بيشتريوش بفلوس الدنيا كلها.. الولاد دول ما يعرفوش أصلاً يعني إيه اسمك في شهادة الميلاد، هم ما يعرفوش غير الإيد اللي مسحت دموعهم، والصوت اللي كان بيحكي لهم حكايات قبل النوم، والراجل اللي كان سهران جنبهم في سخونية الليالي الطويلة وأنت نايم في سريرك متهني.»
قبل ما أرد أو أنطق بحرف واحد، فتحت الباب الكبيرة للمكتب على مصراعيها، وظهرت هي.. سارة.
الوقت وقف.. الدنيا كلها سكتت. سارة دخلت وهي شايلة في إيدها شنطة أطفال صغيرة، كانت لابسة عباءة أنيقة وبسيطة، وشعرها مشدود للخلف بعناية. ملامحها اتغيرت كتير عن تلات سنين فاتت؛ الخدين اللي كانوا مليانين بقوا أنحف، وكسوف عيونها زمان اتحول لنظرة قوية وثابتة، فيها هدوء يشبه هدوء البحر في الصباح الباكر، لكنه هدوء يخفي خلفه عاصفة من الألم والذكريات.




