بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ٢

عدت إلى القاهرة، لكن جسدي فقط هو من عاد؛ أما روحي وعقلي فبقيَا هناك، على كورنيش إسكندرية، مع تلك الطفلة التي تشبهني، ومع المرأة التي كسرتها بجهلي وغفلتي ثم وجدت من يُداويها. مرّت الأيام ثقيلة كأنها جبال تُطبق على صدري. كنت أذهب إلى الشركة، أجلس على مكتبي الفاخر، أوقع على الأوراق والصفقات، لكن كل ركن في المكتب كان يذكرني بصوت سارة وهي تقول: “البيت اللي بتتكلم عنه ده اتدمر من تلات سنين يا جاسر.”
في أحد الأيام، وبينما كنت غارقاً في أوراق العمل، دخل رمزي مكتبي بدون موعد، ووجهه يكسوه قلق مختلف هذه المرة.. قلق ينم عن خبر جديد. وقف قدامي وقال بصوت متردد: «يا باشا.. مدام عنايات والدتك كانت بتسأل عنك بتقول إنها نازلة إسكندرية بكرة عشان تزور عمك القديم هناك، بس…»
قمت من مكاني بسرعة وخوفاً من اللي بيفكر فيه: «بس إيه يا رمزي؟! اتكلم!»
قال بخفوت: «الظاهر إن فيه حد من قرايبها شاف سارة صدفة في المركز الطبي بتاع دكتور طارق، ومعاها التوأم، والخبر وصل لها.. وبتسأل إزاي ولاد جاسر المهدي يتسجلوا في إسكندرية ومن غير ما تعرف!»
شعرت أن الدنيا دارت بي. أمي.. مدام عنايات، بصلابتها، وعقلها القديم، ونفوذها، لو نزلت إسكندرية وعرفت بالقصة، هتحاول تتدخل بطرق رسمية، وربما تسبب أزمة كبيرة لطارق وسارة وتطالب بالولاية بطرق تخص العائلة. صرخت في رمزي: «جهز العربية حالاً! لازم أسبقها على إسكندرية قبل ما تتحرك من القاهرة!»
ركبت العربية، ولم يكن أمامي سوى حل واحد.. يجب أن أذهب إلى طارق وسارة بنفسي، لا لأطالب بحق ولا لأمارس نفوذاً، بل لأحذرهم، ولأحاول لمرة واحدة في حياتي أن أحمي شيئاً صالحاً صنعته بيدي دون أن أفسده.
طوال الطريق، كنت أضغط على نفسي لأكون أسرع من الوقت. وصلت إسكندرية، وطلعت على مركز الدكتور طارق مباشرة. لم أهتم بنظرات الموظفات ولا باستغراب الأمن. فتحت باب مكتبه بقوة، وكان طارق قاعداً وحده، رفع عيونه فيا باستنكار وقال بحدة: «أنت تاني يا جاسر؟ مش كفاية اللي عملته المرة اللي فاتت؟»
قلت وأنفاسي متقطعة من التعب والتوتر: «اسمعني كويس يا دكتور.. مفيش وقت للكلام ده. أمي عرفت بالقصة، وجاية بكرة إسكندرية بكل إصرارها ومحاميها عشان تطالب بحقوق العائلة وتتحرك رسمياً. أنا جاي أحذركم!»





