بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ٢

لما عيونها وقعت عليا.. اتجمدت في مكانها. شنطة الأطفال وقعت من إيدها على الأرض بصوت خفيف.

الدموع لمعت في عيونها بسرعة، لكنها ما نزلتش. بصتلي وبصت لطارق اللي كان لسه شال الطفلة على كتفه، ورجعت بصتلي تاني بنظرة تجمع بين الذهول، الخوف، ومشاعر كتير دفينة حاولت تداريها سنين طويلة.

سارة بصوت مرتعش ومش مصدقة نفسها: «جاسر..؟»

الكلمة طلعت من شفايفها كأنها همس من عالم تاني. جسمي كله ارتعش، وحسيت برجلي مش شايلاني. مشيت خطوة ناحيتها وأنا باصص في عيونها اللي طالما هربت منها زمان، وقلت بصوت متهدج ومكسور: «سارة.. حقك عليا.. أنا أسف.»

سارة رجعت خطوة لورا، ورفعت إيدها بحركة تلقائية كأنها بتحمي ولادها مني، وقالت بصوت جاهدت عشان تخليه ثابت: «جايبك هنا إيه يا جاسر؟ إزاي تجرؤ تيجي هنا وتظهر في حياتنا فجأة بعد كل السنين دي؟»

طارق وقف بهدوء، نزل البنت بحنان على الأرض وقال لها بصوت هادي: «روحوا مع عائشة بره شوية يا حبايبي، عمو هينزل معاكم كمان ثواني.» الأطفال خرجوا وهم بيبصوا لي باستغراب، وساعتها بقينا التلاتة جوه المكتب، والهواء بقى أثقل من الجبال.

قربت من سارة أكتر، وعيوني كانت بتترجاها تنطق بكلمة واحدة تطفي النار اللي جوه صدري، وقلت: «رمزي قالي على كل حاجة.. وعرفت إن الولد والبنت ولادي.. ولادي يا سارة! إزاي خبيتي عني حاجة زي دي؟ إزاي قدرتِ تبعدي طفلي عن أبوه؟»

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية ووجع، وقالت وعيونها بتلمع بالدموع: «أبعدهم عن أبوهم؟! وأنت فين كنت يا جاسر وقت ما كنت بتموت كل يوم وأنا حامل؟ فين كنت وأنا في غرفة العناية المركزة والدكتور بيخيرني بين حياتي وحياة الولاد؟ فين كنت لما كنت بتصل بيك وتقفل في وشي عشان عندك اجتماع مهم مع عميل أو صفقة جديدة؟!»

صرخت فيها بوجع: «كنت جاهل وغبي! ماكنتش أعرف إنك للدرجادي لوحدك! وعشان كده أنا هنا.. عشان أصلح كل غلطة عملتها، عشان آخد مراتي وولادي وأرجعهم لبيتم، وهعملكم كل اللي تتمنوه!»

سارة هزت راسها بيأس وقالت بصوت جرحني أكثر من الصراخ: «البيت اللي بتتكلم عنه ده اتدمر من تلات سنين يا جاسر.. يوم ما سيبته وأنا بجرجر روحي المكسورة ورايا. مفيش رجعة. واللي قدامك ده..» أشارت بيدها لطارق «..مش مجرد راجل وقف جنبي وخلاص، ده الراجل اللي بنى معايا الحطام اللي أنت سيبته، وهو اللي استحق يكون أب لولادي بجد، مش بس بالاسم اللي في الورق.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *