أنا كنت بنضف حكايات زيزي ٢

وصلت البيت والعربية مركونة تحت العمارة. نزلت وبصيت للشنطة المفتوحة والترابيزة والكرسيين الملفوفين ببطانية قديمة في الكنبة الوراانية. كان الشارع هادي في الوقت ده من بعد الظهر.
طلعت السلم خطوة بخطوة، مسكة الظرف في إيدي كانت أقوى من أي حاجة ثانية. فتحت باب شقتي الصغيرة، ولقيت بنتي قاعد على ترابيزة الصالة الصغيرة، حواليها كتب الثانوية العامة والمذكرات، وباصة في الملازم بتعابير وش مجهدة وشكلها شايل هم كل كلمة بتمتحن فيها.
أول ما سمعت صوت الباب فتحت ورَفعت رأسها: “تأخرتي ليه يا ماما؟ مش قيلالي هتروحي وتيجي بسرعة؟”
ما رديتش عليها فوراً. حطيت مفاتحي على الرف وقربت منها بالراحة. بصيت في وشها اللي شبهي، وشفت الفزع المستتر في عينيها من المستقبل، من مصاريف الدروس، ومن حلم التمريض اللي كانت خايفة تحرم نفسها منه عشان الفلوس.
قعدت جنبها على الأرض وحطيت الظرف التخين على الترابيزة قدامها.
بنتي بصت للظرف بستغراب وضيقت عينيها: “إيه ده يا ماما؟”
“افتحيه يا نور.” بصوت مش قادرة أسيطر على رنته.
نور مدّت إيدها، مسكت الظرف واستغربت تقله، وبعدين فتحت لسان الظرف وطلعت الأوراق. بدأت تقرأ السطور الأولى، وعينيها بتتنقل بين الشهادات وحساب الاستثمار المفتوح باسمها والخطاب المكتوب بخط الست نادية.
شفت الصدمة وهي بتتشكل على وشها تدريجياً، لغاية ما جمود وشها اتفك، والدموع جمعت في عينيها بسرعة.
“ماما… إيه الحاجات دي؟ دي مصاريف الجامعة كلها! مين… إزاي؟”
مسكت إيديها الاثنين بين إيديا وقلت لها: “الست نادية… الست اللي بنضف عندها كل خميس بقالي ثمان سنين.”
نور بصتلي بذهول مش مصدقة: “الست اللي كنتِ بتمشي قبل ما تمشي من عندها عشان ما تتقليش عليها؟ اللي كنتِ بتسيبيلك أزازت المية على الترابيزة؟”
“هي يا نور… طلعت كانت شايفانا طول الوقت. كانت شايلة همك وهمي من غير ما تحسسنا بحاجة، ومن ثمان سنين وهي بتعمل الصندوق ده عشان يوم زي ده.”
نور حطت الأوراق على صدرها وقامت ارتمت في حضني. بكينا إحنا الاثنين، بس المرة دي ما كانش بكاء تعب أو خضار من بكرة، كان بكاء نِفس عميق أخيراً قدرنا ناخده بعد سنين من الخوف.
بعد ما هدينا، بصيت لنور وقلت لها: “إنزلي معايا تحت… فيه أمانة ثانية نادية بعتاهالك بنفسها.”





