أنا كنت بنضف حكايات زيزي ٢

نزلنا الشارع، فتحت باب العربية الورااني، وساعدتني نور في شيل الكرسيين والترابيزة الخشب القديمة. طلعناهم الشقة، وحطيناهم في نص الصالة الصغيرة بعد ما شيلنا الترابيزة البلاستيك القديمة المكسورة.
الترابيزة الخشب المدهونة بطلاء بني دافي غيرت شكل المكان كلياً. حطينا الكراسي، وقعدنا عليها إحنا الاثنين.
نور حطت إيدها على الملمس الخشب الناعم للترابيزة وقالت بصوت خافت: “الترابيزة دي شكلها شايل حكايات كتير أوي يا ماما.”
“شايلة ثمان سنين تعب… وثمان سنين حنية ما كناش شايفينها.”
في المساء، نور مسكت مذكراتها وقعدت تذاكر على نفس الترابيزة، بس المرة دي وشها كان هادي، والتوتر اللي كان ملازمها طوال السنة اختفى كأنه ما كانش. وأنا قعدت قصادها، بصيت للأوراق المبسوطة على جنب، وللمفتاح النحاسي الجديد اللي سبته جنب ورقة صغيرة كتبت فيها رقم نادية الجديد.
مسكت التليفون، وترددت لحظة… وبعدين طلبت الرقم.
جرَس… اتنين… وفي الثالثة جالي صوت نادية الدافئ:
” ألو… وصلتي بالسلامة يا أمل؟”
بتسمت وأنا ببص لنور وهي بتذاكر في نور اللمبة البسيط:
“وصلت يا ست نادية… والأمانة وصلت، ونور قاعدة بتذاكر دلوقتي على ترابيزتك.”
ضحكت نادية على الناحية التانية من التليفون، ضحكة صافية حسيت بيها بتدفي الأوضة كلها: “الحمد لله يا أمل.. أنا كده هنام مرتاحة. بكرة الصبح إن شاء الله هبدأ أرتب الشقة الجديدة، ومتنسيش وعدك.. الصيف ده بتاعكم أنتي ونور.”
قفلت المكالمة مع نادية، والهدوء ساد الشقة. نور كانت اندمجت في المذاكرة، وعينيها رايحة جاية بين أوراقها بنفس الشغف القديم بس بقلب رايق، وأنا كنت قاعدة قصادها مش قادرة أشيل عيني عنها. لأول مرة من سنين طويلة، الشغف الممزوج بالخوف اللي كان بيخنقني كل ما أفكر في بكرة يختفي.
مرت الأيام اللي فاضلة على امتحانات الثانوية العامة زي السحاب. الشقة بقت مختلفة، وجود الترابيزة والكرسيين في نص الصالة بقى يفكّرنا كل يوم إن فيه أمل طالع من أكتر الأماكن اللي ما كناش نتوقعها. كنت أقوم الساعة 6 الصبح، أعمل القهوة لنور، وأحط لها الفطار على نفس الترابيزة، وهي تقعد تذاكر بحماس مش طبيعي.
وأنا؟ لأول مرة من 8 سنين، يوم الخميس جه وأنا مش رايحة البيت الكهرمان القديم.
أول خميس يعدي عليا من غير ما أشيل شنطة أدوات التنظيف كان غريب جداً. صحيت الساعة 7 الصبح بعادة 8 سنين، لبيت نفسي لابس الجينز وبجهز الحاجات.. وبعدين وقفت في نص المطبخ وافتكرت. البيت اتسلم، ونادية مشت، وأنا بقيت حرّة من الجدول الصارم ده. قعدت على الكرسي وخنقني إحساس متلخبط بين الفراغ والراحة.




