أنا كنت بنضف حكايات زيزي ٢

وبعدين بصتلي ونادتني: “تعالي يا أمل.. البيت بيتكوا.”

دخلنا البيت الجديد. كان هادي وريحة الورد مغرقاه. الصالة واسعة، وفيها شبابيك كبيرة بتطل على الجنينة. على جنب، كانت فيه أوضة صغيرة مجهزة برفين كتب وسريرين أبيضين بالكامل.. أوضة الضيوف اللي كانت حكيالي عنها.

“دي أوضتكم,” نادية قالت وهي بتشاور. “مفيش شغل، مفيش تنظيف، مفيش قيود. هنا هتقعدوا أسبوعين ترتاحوا من تعب السنين دي كلها.”

قضينا أيام الأسبوع الأول في جنينة نادية. كنا بنقعد الصبح نشرب الشاي ونأكل كيكة عملتها نادية بإيدها. اتعرفنا على بنتها، الدكتورة منى، اللي طلعت شبه أمها جداً في حنيتها وطبيعتها. منى حكت لنور عن شغ المستشفيات والتعب والليالي السهر، ونور كانت بتسمع بعينين بتلمع من الشغف.

وفي ليلة من الليالي، والنور هادي والجنينة نسمتها هادية، كنا قاعدين أنا ونادية على الكراسي الخيزران بره.

نادية بصتلي وقالت بهدوء: “أمل.. أنتِ فاكرة إن دورك معايا خلص لما بيتي القديم اتقفل؟”

بصيت لها باستغراب: “قصدك إيه يا ست نادية؟”

طلعت ورقة جديدة من جيب روبها الدافي، وحطتها قدامي على الترابيزة الزجاجية الصغيرة.

“أنا وبنتي فتحنا دار صغيرة هنا قريب، للستات الكبار اللي معندهمش حد يرعاهم، ودار تحفيظ ورعاية للأطفال الأيتام.. المكان كبر، وأنا مش قادرة أديره لوحدي من كبر سني، وبنتي وقتها ضيق مع المستشفى.”

نادية مسكت إيدي بثبات وتابعت:

“أنا محتاجة حد أثق فيه أكتر من نفسي عشان يمسك إدارة الدار دي.. حد عارف يعني إيه وجع، وعارف يعني إيه مسئولية، وبيعمل كل حاجة بضمير وحب.. أنا مش بعرض عليك شغل تنظيف يا أمل.. أنا بعرض عليك تكوني المديرة التنفيذية للمشروع ده، براتب ثابت، وشقة مجهزة جنب الدار لو تحبي تنقلي أنتِ ونور هنا عشان تكون قريبة من جامعتها.”

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. حسيت الأرَض بتلف بيا. أنا؟ أمل اللي قضت عمرها تمسح البلاط وتلم المواين.. تكون مديرة مكان بيخدم الناس؟

“أنا يا ست نادية؟ بس أنا… أنا ما معاييش شهادات عالية ولا…”

نادية قاطعتني بصرامة دافية:

“أنتِ معاكي شهادة 8 سنين أمانة وصبر وحنية وتضحية.. الشهادات دي ما بتتباعش في الجامعات يا أمل. أنتِ أد المكان ده وزيادة.”

سكتَّ لحظة، وبصيت لإيدي اللي خشّنتها السنين ومسح الدموع، وبعدين بصيت لنور اللي كانت واقفة عند شباك الأوضة وسمعت كل كلمة وعينيها بتلمع بفخر غير عادي.. فخر بأمها اللي شافت بعينها القيمة الحقيقية لكل عرق ونقطة تعب بذلتها عشانها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *