بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ٣

الجملة نزلت على صمت المكتب كأنها صاعقة رعد في عز الشتاء.

سارة اتصلت ببعضها، وشوت في عروقها، بصوت مرتعش: «ولادي؟! أخدتهم فين؟! مستحيل!»

بصيت لطارق اللي كان شبه متجمد من الصدمة، ومن غير ما أنطق بحرف واحد، البركان اللي جوايا . حسيت إن كل ذنوبي القديمة اتجسدت قدامي في اللحظة دي. أمي مدام عنايات.. جبروتها وعنادها ما بيهدوش، ولما تحط حاجة في دماغها، مفيش قوة على الأرض توقفها.

قلت بصوت عالي وصارم وأنا بجري على الباب: «مفيش وقت للصدمات! مدام عنايات ما تعرفش تروح فين غير مكان واحد.. قصر العائلة القديم أو فيلتها الخاصة في سموحة. قوموا معايا حالاً!»

طلعنا أنا وطارق وسارة في عربيتي كأننا في مطاردة مجنونة. طول الطريق، سارة كانت بتعيط بمرارة، وكل عصب في جسمها مشدود، وطارق كان بيحاول يهديها رغم إن إيديه كان بيترعشوا على تسييج الكرسي. أما أنا، فكنت سايق بجنون، دايس على البنزين لآخر لحظة، وكل اللي في عقلي: «لو أمي أذت الأطفال دول أو سببت لهم رعب، عمري ما هسامح نفسي ولا هسامحها!»

وصلنا قدام فيلا مدام عنايات الكبيرة في سموحة، بوابة الحديد الكبيرة كانت مفتوحة، وعربيات الحرس والحراسة الخاصة واقفة في الجنينة. نزلت من العربية كالسهم، وسارة وطارق ورايا على طول.

دخلنا من الباب الرئيسي من غير حتى ما نستأذن. الحرس حاولوا يوقفونا، بس صرخت فيهم بصوت هز جدران الفيلا: «ابعدوا عن طريقي كلكم! أقسم بالله اللي حد فيهم

مكاني!»

دخلنا الصالون الكبير، وهناك كانت المشهد اللي كفيل يوقف قلبي. مدام عنايات، أمي، قاعدة على كرسيها الوثير بكل هيبة وصلابتها، ماسكة كوباية شاي ببرود، والتوأم قاعدين على الكنبة جنبها، البنت الصغيرة بتعيط بخوف، والولد ماسك في هدومها وبيعيط بصوت مكتوم. وحارس واقف جنبهم، والمحامي واقف بملفاته.

أول ما سارة شافت ولادها بيعيطوا، صرخت بصوت مخلوع من قلب أم مهزومة: «ولادي!!» وجريت عليهم كالمجنونة، خدت البنت في حضنها وضمت الولد لصدرها بعنف وكأنها بتحميهم من العالم كله.

مدام عنايات رفعت راسها ببطء، بصت لسارة باحتقار، وبصتلي بنظرة أبرد من الجليد، وقالت بصوت صارم: «أهلا يا جاسر.. كنت لسه باعتة أجيبك. إزاي تداري عني فضيحة زي دي؟ أحفاد عائلة المهدي مرميين في إسكندرية، ومع مين؟ مع واحدة سابت البيت من ثلاث سنين، و..»

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *