بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ٣

قاطعتها بصوت عالي هز الفيلا كلها، وخرج مني غضب عمري ما أظهرته قدام أمي أبداً: «اكفي يا أمي! كفاية لحد هنا!»

أمي فتحت عيونها بذهول وقالت: «أنت بتعلي صوتك عليا يا جاسر عشان خاطر الست دي؟!»

قربت منها بخطوات واسعة، ووقف قدامها مباشرة، ودموع القهر والندم تجمعت في عيون, وقلت بصوت بيترعش من كتر الغضب: «أيوة بعلي صوتي عليا، وعليكي وعلى الدنيا كلها لو لزم الأمر! الغلط مش من سارة.. الغلط كله مني أنا! أنا اللي ضيعتها، أنا اللي قصرت في حقها، وأنا اللي سيبتها تمشي وهي مقهورة! والأطفال دول.. هم أغلى حاجة عندي في الدنيا، ولو فكرتي بس بكلمة أو تاخديهم مني بالطرق اللي متعودة عليها، هنسى إنك أمي وهقلب الدنيا على الكل!»

الصمت ساد المكان تماماً. حتى الحرس والمحامي نزلوا عيونهم في الأرض. أمي اتفاجئت بجنون مني؛ طول عمرها متعودة إني ابنها المطيع اللي بينفذ كلمتها من غير بحث، بس النهاردة.. الراجل اللي واقف قدامها ده مستعد يحرق العالم عشان يحسس مراته وولاده بالأمان لمرة واحدة في حياته.

سارة كانت قاعدة على الأرض ضامة ولادها، بتبص لي بذهول وعيون مليانة دموع، وطارق وقف وراها بيمد إيده يهديها ويطمنها.

مدام عنايات وقفت بغرور، بصت لي نظرة أخيرة مليانة وعيد وغضب، وقالت بصوت حاد: «بكرة تندم يا جاسر.. وتعرف إن اللي بتعمله ده عيلتك وشركتك.» وقالت للحرس والمحامي: «امشوا.. خلصنا هنا.»

خرجت أمي ومن معها، وفضلت الفيلا هادية بينا إحنا الأربعة.

قربت ببطء من سارة اللي كانت لسه حاضنة ولادها وبتعيط. نزلت على ركبتي قدامها، ومسحت دموعها بإيدي المترعشة، وقلت بصوت مكسور: «سارة.. سامحيني.. أرجوكِ سامحيني. أنا عرفت غلطي خلاص، ومش هسيبكم تاني أبداً، حتى لو خسرت كل حاجة.»

سارة بصت في عيوني، ولأول مرة من تلات سنين، ما لقيتش في عيونها كره ولا جفاء.. لقيت دمعة حقيقية، وقالت بصوت متهدج: «فات الأوان يا جاسر.. الجرح أعمق بكتير ما انت متخيل.»

في اللحظة دي، طارق حط إيده على كتفي بهدوء وقال: «الجرح ممكن يلتئم يا جاسر.. لو عرفت بجد يعني إ ايه عائلة، مش مجرد اسم واسكت.»

وقفت وأنا باصص لعيال سارة اللي بدأوا يهدوا في حضنها، وعرفت إن الطريق طويل قوي عشان أسترد عيلتي، بس للمرة الأولى في حياتي.. أنا مستعد أمشي في الطريق ده للآخر مهما كانت التمن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *