بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ٣

قاطعتها بضعف وأنا أشبك أصابعي ببعضها:
* «وأنا؟ ما ليش مكان خالص في القصة دي يا سارة؟ أنا أبوهم.. والله العظيم بحبهم، وبحبكِ إنتِ كمان.. عرفت ده متأخر قوي، بس بحبك بجد والله.»
ابتسمت سارة بابتسامة حزينة وموجعة، وقالت:
* «الحب لوحده مش كفاية يا جاسر. الحب محتاج أفعال، محتاج أمان، محتاج تفاصيل صغيرة كنت أنت بتعتبرها تافهة وهي كانت بالنسبة لي هي الدنيا كلها. طارق.. طارق ما استناش لحد ما أبقى على أخر طاقة لي وعوضني بكل حنان الدنيا. الولاد بينادوه بابا، ومش بإيدي ولا بإيدك أننا نمسح الكلمة دي من قلوبهم.»
في تلك اللحظة، ظهر الدكتور طارق من بعيد، كان ماشياً بخطوات هادئة نحو الكورنيش، وفي إيده الشنطة الطبية، ولما شافنا قاعدين مع بعض، وقف مكانه لثوانٍ كأنه بيتردد هل يقرب ولا يسيبنا لوحدنا. بس بعدين كمل مشيه وجا وقف قدامنا.
بصيت لطارق، ومن غير أي غيرة أو عصبية، بل باحترام مكسور، وقفت قدامه وقلت بصوت خافت:
* «شكراً يا دكتور.. شكرا لأنك عملت اللي أنا عجزت أعمله. شكرا لأنك حميت مراتي وولادي.»
طارق بص لي بملامح وقورة وهادئة، وحط إيده على كتفي وقال بنبرة إنسانية بحتة:
* «اسمع يا جاسر.. أنا ما أخدتش مكان حد، أنا بس لقيت إنسانة مكسورة في الشارع ومديت لها إيدي. وجعك أنا مقدره، وندمك واضح في عيونك، بس الحياة مش بتتصلح بالاعتذار المتأخر. الحياة بتتصلح بأن كل واحد يتقبل قراره ويتحمل نتيجة أخطائه.»
سارة قامت وقفت جنب طارق، وبصت لي نظرة أخيرة جمعت فيها كل صفحات الماضي وقالت:
* «أنا سامحتك يا جاسر.. سامحتك عشان أقدر أرتاح، وعشان أربي ولادي وأنا قلبي صافي ومش شايل حقد لأحد. بس صفحتنا أنا وأنت اتقفلت للأبد. روح يا جاسر.. ارجع لحياتك وشركتك، وباب ولادي هيكون مفتوح لك كأب، مش كزوج.. زورهم في أي وقت تحبه، بس سيبنا نعيش بسلام.»
الكلمات كانت كفيلة بأن تنهي كل أمل وهمي كنت ببنيه جوايا، بس في نفس الوقت.. حسيت بسلام غريب لأول مرة من تلات سنين. عرفت إن العقاب الأكبر مش في إن الناس تقسو عليك، بل في أنك تشوف نتيجة أخطائك واقفة قدامك واضحة وضوح الشمس وما تقدرش تغيرها.
هزيت رأسي ببطء وأنا حابس دموعي، وقلت بصوت متهدج:
* «حاضر يا سارة.. حاضر يا دكتور. أنا هعمل اللي تريحوه، ومش هأذيكم تاني أبداً.»



