المُشـ,ـرد

كانت تسير بخطوات سريعة متجهة إلى عملها، وفجأة استوقفها رجل يطلب منها أن يجري مكالمة قصيرة من هاتفها، وقال إنها مسألة مهمة. لم تتردد وأعطته الهاتف، لكنها نبهته برفق:
“رجاءً لا تتأخر، فمديري لا يتساهل مع التأخير، وقد يخصم من راتبي.”
ابتسم قائلاً: “لن تأخذ دقيقة واحدة فقط.”
ثم ضغط الرقم، وبعد لحظات جاءه صوت امرأة على الطرف الآخر، فبدأ الحديث بصوت مبحوح:
“آلو… رجعت من عند أهلي وما لقيت حدا يقدر يعطيني مال، حاولت أشتغل اليوم وما جمعت غير عشرين ألف ليرة… بعرف إنها ما بتكفي، وبنتنا محتاجة الأكل… بس هذا اللي قدرت عليه. اعطيها شي يسد جوعها هلأ، وبإذن الله بجيب شي أحسن العصر…”
أنهى المكالمة وهو يشكرها بحرارة. فسألته:
“هل عندك مشكلة؟”
ابتسم مجددًا وقال: “أبدًا، أنا بخير، كنت فقط أطمئن على زوجتي لتجهز لنا الغداء.”
تجمدت في مكانها، ترددت الدموع في عينيها، وقالت في سرّها: يا الله… هذا الرجل رغم همه الكبير لم يُرد أن يظهر ضعفه أو يطلب مساعدة من أحد…
وبدون تفكير، أخرجت راتبها من حقيبتها ومدته له من قلبها. رفض في البداية بإصرار، لكنها وضعت المال في جيبه وقالت:
“هذه لزوجتك، وليست لك…”
نظر إليها نظرة عميقة لن تنساها يومًا، وقال بصوت ثابت:
“سأعيدها لك أضعافًا… تذكري هذا.”
ثم أسرعت نحو عملها، فهي قد تأخرت كثيرًا. وما إن دخلت حتى وقعت المفاجأة… فقد رأت الرجل نفسه أمامها، ولكن بوجه آخر وهيئة مختلفة تمامًا! اقترب منها بخطوات واثقة…
توقفت خطواتها فجأة عند باب الشركة… اختفى صوت الموظفين حولها، وكأن الزمن تجمّد للحظة.
كان هو.
الرجل نفسه الذي استعان بهاتفها منذ دقائق… لكنه لم يعد بملابس بسيطة، ولا بحذاء مهترئ، ولا بتلك الملامح المرهقة التي رأتها في الشارع.
كان يقف أمامها ببدلة رسمية أنيقة، وربطة عنق فاخرة، وشعر مرتب، ورائحة عطر باهظة لا يضعها إلا رجال الأعمال.
وعندما التقت عيناها بعينيه، لم تُصدّق ما ترى.
تقدّم نحوها بخطوات هادئة، بينما شعرت هي أن قلبها يكاد يقفز من صد*رها.
قال بابتسامة مختلفة تمامًا عن تلك التي رآها الناس في الشارع:
“أهلاً… أستاذة مريم.”
تجمدت أكثر.
معرفة اسمها؟!
سقطت حقيبتها من يدها دون أن تشعر.
انحنت لتلتقطها، لكن يده سبقتها، وناولها إياها باحترام.




