مراتي كلمتني حكايات صافي هاني ٣

## الجزء الخامس: ما بعد العاصفة.. شمس جديدة تشرق في البيتمرت الأيام والأسابيع الأولى بعد تلك الليلة العصيبة وكأنها سنة كاملة من إعادة ترتيب الأوراق والنفوس. البيت الذي كان مكفهرًا ومحشورًا بالتوتر والشك، بدأ يستعيد سكــ,,ـــــينه وألوانه الطبيعية ببطء، وكأن جدران الشقة نفسها كانت تتنفس الصعداء بعد رحيل الغمامة السوداء.
محمود (خال مريم) وتيتا نادية لم يتركونا وحدنا أبدًا في تلك الفترة الانتقالية؛ كانوا يزوروننا باستمرار، يشاركوننا وجبة العشاء، ويساعدونني في تدبير أمور البيت وترتيب أولوياتي التي كانت مبعثرة تمامًا بين لقمة العيش ورعاية طفلتي.
### استواء الأمور مع كريمأما عن “كريم”، ابن سارة، فلم نكن لنتخلي عنه رغم كل ما فعلته أمه. بعد اتصالات مكثفة ومجلس عائلي ترأسه محمود بحكمة قانونية وإنسانية، تم التواصل مع والده الحقيقي (الذي كان منقطعاً عن الصورة لفترة) لتسوية وضعه القانوني والمعيشي بشكل يحافظ على نفسية الصغير ولا يجعله يدفع ثمن أخطاء والدته.
وفي تلك الفترة المؤقتة التي قضاها معنا في الشقة ريثما تتضح أموره النهائية، شاهدتُ بنفسي كيف تغيرت نظرة مريم تجاهه. لم تكن تحمله أي ضغينة، بل بالعكس تمامًا؛ جلست معه أكثر من مرة في الصالون، وقاسما معاً ألعابهما القديمة، وقالت له بصوتها البريء:”يا كريم، إنت مالكش ذنب في اللي ماما عملته.
. إنت أخويا الصغير وهتفضل في بيتنا زي ما إنت لحد ما أمورك تظبط.”كلمات مريم البسيطة دمرت آخر جدار من الخوف والتوتر في صدـ,,ـــر كريم، وجعلته يبكي بحــ,,ـــــرقة معتذرًا مرة أخرى، لينتهي الصراع بـ “حــ,,ـــــضن أخي” دافئ نسى فيه الاثنان كل كوابيس الماضي.
### قرار حياتي المصيريفي أحد الأيام، وبعد أن انتهيت من عمل شاق في تركيب أجهزة التكييف لشركة كبيرة، ورجعت البيت متعبًا، دخلت صالون الشقة فوجدت مريم جالسة على مكتبها الصغير تذاكر دروسها بجد وتفوق، وبجانبها كوب شاي دافئ تركته لها تيتا نادية قبل أن تغادر.
وقفتُ عند باب الغرفة أتأملها بصمت..اتناشر سنة.. سن الزهور وبداية المراهقة، السن الذي كادت تفقد فيه ثقتها في العالم كله بسبب طمع شخص واحد. تذكرت كيف تركتها لسنوات طويلة تحت وطأة الشغل والسفر وساعات العمل الطويلة، وكيف كنت أعتقد خطأً أن توفير المصاريف والأقساط هو كل ما يحتاجه الأب لأبنائه.



