بعد تلات سنين من طلاقي حكايات صافي هاني ٣

مشيت خطواتي بعيد عنهم، بصيت لولادي وهم بيلعبوا بعيد مع ناني، وابتسمت دمعة حارقة على خدى. أدركت تماماً أن بعض الغلطات بتدفع ثمنها من عمرك كله، وأن الإمبراطوريات والفلوس ملهاش أي قيمة لو خسرت قصادها الإنسان اللي حبك بصدق. ركبت عربيتي، وبصيت نظرة أخيرة على إسكندرية، وطلعت على القاهرة.. وأنا راجع رجل تاني خالص غير اللي جه من تلات سنين.
عدتُ إلى القاهرة، وكأن روحي ظلت معلقة على كورنيش إسكندرية، لكن هذه المرة لم يكن عودتي هروباً، بل كان بداية تصالح مع نفسي ومع أخطائي. مرّت الأشهر التالية بطيئة، لكنها كانت محملة بتغيير حقيقي وعميق في شخصيتي. تركت إدارة الشركة لفترة أطول لتستقر تحت إشراف الإدارة التنفيذية، وتفرغت لترتيب حياتي الشخصية والمهنية على أسس جديدة تعتمد على الإنسانية والتقدير الحقيقي لمن حول الإنسان، لا على الأرقام والمكاسب المادية.
في أحد أيام الربيع الهادئة، وبينما كنت أراجع بعض الملفات في مكتبي، فوجئت بباب المكتب يفتح، ودخل رمزي ووجهه يكسوه ابتسامة هادئة غير معتادة، وبيده ظرف صغير.
سألته باستغراب وأنا أقوم من مكاني: «خير يا رمزي؟ في إيه؟»
مد إيده بالظرف وقال بصوت هادئ: «جايب لك حاجة من إسكندرية يا باشا.. وصلت الصبح مع البريد الخاص، ومكتوب عليها اسمك.»
تناسيت كل شيء، وبخطوات سريعة فتحت الظرف. كان جواته كارت صغير بخط يد ناعم ومألوف جداً.. خط سارة.
فتحت الكارت وقرأت الكلمات اللي نزلت على قلبي كبرَد سلام:
*«يا جاسر.. الحياة مش دايماً بتدينا فرصة تانية بالشكل اللي نحبه، بس ربنا أحياناً بيدينا فرصة نصلح فيها عيوبنا ونياتنا. الولاد كبروا خطوة وبدأت تنطق اسمك صح.. مش كاسم في شهادة ميلاد، بل كأب بيزورهم وبيحبوه من بعيد بسلام. لو تحب تيجي تشد حيلك وتشوفهم الأسبوع الجาย، الباب مش مقفول في وشك.. سارة.»*
دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر ولا ندم محرق، بل كانت دموع راحة وسلام داخلي طال انتظارهم. بصيت لرمزي اللي كان باصص لي بابتسامة تشجيع، وقلت له بصوت متهدج بس كله إصرار: «جهز العربية يا رمزي.. رايح إسكندرية.»
طلعت على إسكندرية، ولأول مرة مش رايح وأنا كبار، ولا رايح بتهديدات أو نفوذ.. رايح كإنسان عرف أخطاءه، وتعلّم الدرس بوجع، وجاي يزرع حب حقيقي من أول وجديد، حتى لو كان مجرد أب في الخلفية، يكفيني إني بقيت بني آدم، وإني كسبت نفسي.. وكسبت السلام لقلب سارة وولادي.



